الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٥٢١
فمناسبة الجواب للوجه الأوّل أن يحمل الحديث الوارد على حديث من لا يوثق به ، فإنّ من يوثق به حكمُه معلومٌ من غير هذا الحديث ، أو بقرينة دلّت عليه من التخاطب . والجواب على الوجه الثاني يمكن حمله على إطلاقه ، فإنّ راوي الأحاديث المختلفة وإن كان يظنّ الوثوق به ، لكن بسبب الاختلاف يرجع فيه إلى الشاهد ، ومن لا يوثق به أمره ظاهر . ونحو هذا يُناسب الوجه الثالث ، فإنّ ما كان مرويّاً مقرّراً إذا ورد ما يخالفه من الثقة يرجع فيه إلى الشاهد من الكتاب أو قول الرسول ، ولاينافي وجود ما في الكتاب أو قول الرسول صلى الله عليه و آله مخالفاً ظاهراً لما عندهم منهم عليهم السلام ؛ لإمكان كونه لمصلحة التقيّة ونحوها . وعلى الوجه الرابع الجواب أيضا على إطلاقه ، فإنّ الراوي الواحد وإن كان يعتقد أنّه ثقة ، فالاختلاف في روايته ينافي ذلك ، أو يكون باعثا على ردّ مثل هذه الرواية . ومن جملة الشاهد من قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله ما كان من قولهم عليهم السلام ، فإنّ قولهم وقوله واحد . وأظنّ أنّ الاقتصار عليه في هذا الحديث ونحوه للتقيّة . ويمكن أن يقال : إنّ أصل الجواب ورد موردَ التسقيّة في هذا ونحوه ، بأن يكون عليه السلام أمَرَ بما يوافق الكتاب وقول الرسول ؛ لأنّ الثقة قد ينقل عنهم ما هو مختلف ويكون حقّاً ، مع أمرهم بطريق العمل بالمختلف وقولهم به للمصلحة كما تقدّم ، فأراد عليه السلام أن لا يظهر هذا مع أنّ كلامه حقّ ، فإنّه يرجع إلى ما في الكتاب وقول الرسول صلى الله عليه و آله على الوجه الذي تقدّم التنبيه عليه . وما كان من غير الثقة ، فإن وافَقَ الكتاب أو قول الرسول أو قولهم يعمل به ، وإلاّ فلا ؛ فقد أتى عليه السلام بكلام حقّ موافق للتقيّة ، ولا عهدة عليه فيه من أحد ولا اعتراض ؛ واللّه تعالى أعلم . والشاهد من قول الرسول عليه السلام لاينافي كونه في الكتاب ، فإنّ شاهد الكتاب مثل المحكم والظاهر وما علم معناه ، وقول الرسول صلى الله عليه و آله قد يكون مبيّناً لما لم يظهر حكمه من الكتاب ، وكان هذه الأحاديث المتضمّنة للرجوع إلى الكتاب تدلّ على جواز العمل بظواهره وغيرها ممّا يجوز العمل به مع الشروط المعتبرة في معرفتها . وضمير «يرويه» يجوز رجوعه إلى «الحديث» وإلى «اختلاف الحديث» ولا يخفى عليك مناسبة كلّ منهما لما تقدّم من الأوجه في السؤال والجواب بعد الملاحظة والتأمّل . وكذا جملة «يرويه» فإنّها تحتمل الحاليّة والوصفيّة والاستئناف تفريعا على ما تقدّم . وقد تقدّم مكرّراً ما يعرف به معنى «أولى به» في قوله عليه السلام : «وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به» . وعلى الحمل على التقيّة يمكن إجراء التفضيل على أصله وغيره ؛ فتدبّر .