الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٦٤٨
قد تقرّر من الأحاديث السابقة أنّ المشيئة غير الإرادة ، وأنّها علّة لها ولغيرها ، فمعنى «أمر اللّه ولم يشأ ، وشاء ولم يأمر» أنّ الأمر والمشيئة ليسا متلازمين حتّى يلزم منه العجز عن الجبر عمّا نهى عنه ، بل الحكمة اقتضت أن يهب القوّة على الفعل والترك ، ففعل المأمور به وتركه هما بمشيئته . ومثّل عليه السلام للأوّل بقوله : (أمَرَ إبليسَ أن يَسجُدَ لآدمَ ، وشاء أنْ لا يَسْجُدَ ، ولو شاء لَسَجَدَ) أي وعدم السجود أيضا من مشيئته ، فلو كانت مشيئته منحصرة في السجود فقط لَسَجَدَ ، أي للزم عدم التخلّف ؛ وذلك لأنّ مشيئته عدمَ السجود لا دلالة فيها على عدم مشيئة السجود . ويدلّ أيضا على عدم الانحصار قوله عليه السلام : «ولو» أي ولو انحصرت المشيئة في السجود لَسَجَدَ . فإن قيل : يمكن أن يفهم من قوله عليه السلام : «وشاء أن لا يسجد» أنّ المشيئة منحصرة في عدم السجود ، ويكون معنى قوله : «ولو شاء لسجد» ـ لولم تكن منحصرة في عدم السجود ـ أي لوشاءهما معا لسَجَدَ . قلنا : مشيئتهما معا لا ملازمة بينها وبين تحتمّ سجوده . فإن قيل : يمكن أن يكون المراد بقوله : «ولوشاء لسجد» لولم تكن المشيئة منحصرة في عدم السجود ، احتمل سجوده وعدم سجوده ، وشرط «لو» منفيّ فهو مثبت ، وجوابها مثبت فهو منفيّ ، وإذا انتفى الاحتمال وجب عدم السجود ؛ لأنّهما نقيضان فلا يجبان ، وانحصار المشيئة في عدم السجود يناقض وجوب السجود ، وعند بطلان الاحتمالين يجب الثالث . فالجواب : أنّ اللام تمنع هذا الاحتمال . وكذلك أيضا قوله عليه السلام : (ونهى آدمَ عن أكْلِ الشجرةِ ، وشاء أن يَأكُلَ منها) ، أي لولم يكن الأكل من مشيئته ، أي لوشاء عدمه لم يأكل ، أي لم يتحقّق منه الأكل ، ف «لو» تدلّ على أنّ أكله كان بمشيئته ؛ لأنّ ما بعدها منفيين ، فهما موجبين [١] ؛ فليتأمّل .
[١] كذا ، والصحيح : «منفيّان فهما موجبان» .