الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٩٧
الثاني : أن يكون معنى «ماشاء اللّه كان» كما تقدّم ، و«مالم يشأ لم يكن» بمعنى : مادام لم تتعلّق به مشيّته لم يكن ، بخلاف العبد ، فإنّ الشيء قد يكون بمشيّة اللّه تعالى وإن لم تتعلّق به مشيّة العبد . الثالث : أن يكون معنى «مالم يشأ لم يكن» : ماشاء أن لا يكون لم يكن ؛ لمقابلة ما قبله ، نحو قوله تعالى : «وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّـالِمُونَ » [١] فإنّ ظاهره ـ واللّه أعلم ـ أنّ المعنى : ومن يحكم بغير ما أنزل اللّه ؛ لأن لا يدخل في الحصر من لم يحكم بشيء أصلاً . ومثلُه كثيرٌ . الرابع : أن يكون معنى المشيّة هنا فيما يتعلّق بفعل العبد أن يتركه على حاله ، ولا يحول بينه وبين الفعل ، فيصدق حينئذٍ أنّ كلّ ماشاء اللّه كان ممّا يشمل فعل العبد ، وإن كان اللّه تعالى لا يريده منه ولا يرتضيه ، ومالم يشأ بمعنى مَنَعَه منه فيما يتعلّق به ، وما يتعلّق به تعالى وجهه ظاهر . وبهذا المعنى فسّر الصدوق رحمه اللّه في كتاب الخصال ما يقرب من هذا [٢] ، وأظنّه في كتاب التوحيد أيضا . وقد يفسّر المشيّة في نحو هذا بالعلم ، بمعنى أنّ كلّ ما علم اللّه أنّه يكون ، فلابدّ أن يكون ، وما علم أن لا يكون ، فلا يكون . وفي كلّ هذه الأوجه تنزيه له تعالى عن القبيح الذي يلزم من قول أهل الجبر ، وتمسّكهم بمثله . وإنّما أطلنا الكلام هنا لأنّ ما ذكر لعلّه ينفع في مواضع اُخر ؛ واللّه تعالى أعلم . فإن قلت : هل يجوز أن تكون «لمّا» مشدّدة بمعنى «حين»؟ قلت : وجود «من» ينافي هذا الوجه ، ولولاها لصحَّ أيضاً .
[١] المائدة (٥) : ٤٥ .[٢] الخصال ، ص ٦٣١ .