الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٩٥
أو الطاعة وعمل بما يقتضيه . وهذا الوجه بحسب المعنى لا تدخله شبهة من شبه أهل الجبر . والمفعول كثيراً مّا يحذف لقرينة ، والقرائن هنا كثيرة ، حاليّة ومقاليّة ، إلاّ أنّه خلاف الظاهر من هذا التركيب . وهذا الوجه يقرب من معنى قوله تعالى : « فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِى سَبِيلاً » [١] ، وقوله تعالى : « لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ » [٢] فإنّه يدلّ ظاهراً ـ واللّه أعلم ـ على أنّ اللّه تعالى أعطى عباده القدرة والاختيار لسلوك السبيل إلى اللّه والاستقامة وعدمها ، مع ما تظافرت به الأدلّة على نفي الجبر وتكليف مالا يطاق ، واستلزام ذلك العبث في حقّه تعالى ونسبة الظلم إليه . فإن قلت : ما بعد ذلك ـ وهو قوله تعالى : « وَ مَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَـالَمِينَ » [٣] ـ يدفع ذلك . قلت : بعد أن علم وتقرّر أنّ اللّه تعالى منزّه عن الظلم والعبث والاضطراب في كلامه ، فأيّ وجه لكونه تعالى يعد ويهدّد ويقول : من شاء فعل كذا ، ثمّ يأتي بما يدلّ على أنّهم ليس لهم قدرة على ذلك ؛ فلابدّ من الحمل على معنى لا يتناقض به كلامه تعالى . وقد ذكر أهل العدل والحقّ في تفسيرهم أنّ المعنى : وما تشاؤون ذلك إلاّ أن يشاء اللّه إجباركم على الاستقامة واتّخاذ السبيل إليه . أقول : فالخطاب للجميع ، والمعنى أنّ الجميع لا يفعلون إلاّ أن يجبر من لا يفعل ؛ فيتعلّق الفعل بالجميع ؛ أو أنّ الخطاب لمن لم يشأ ؛ واللّه أعلم ؛ أو ما تشاؤون ذلك إلاّ واللّه يشاؤه . ويخطر بالبال وجه يرجع إلى الثاني ، وهو مقتضى هذا التركيب ، وذلك أنّ
[١] المزّمّل (٧٣) : ١٩ .[٢] التكوير (٨١) : ٢٨ .[٣] التكوير (٨١) : ٢٩ .