الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٨٢
.ومنائر رفع لهم أعلامَها ، لكي لا يَضِلّوا من بعده ، وكان بهم رؤوفا رحيما . فلمّا انقضتْ مدّتُهُ ، واستكملتْ أيّامُه ، توفّاه اللّه وقَبَضَه إليه ، وهو عند اللّه مرضيٌّ عملُه ، وافرٌ حظُّه ، عظيمٌ خطرُهُ ، فمضى صلى الله عليه و آله وخلَّفَ في اُمّته كتابَ اللّه ، ووصيَّه أميرَ المؤمنين وإمامَ المتّقين صلوات اللّه عليه ، صاحبَيْن مؤتلفَيْن ،{...}
قوله : (ومَنائرَ رَفَعَ لهم أعلامَها) . هذا يؤ?د الأوّل ، مع عدم منافاته الثاني . [١] ورفع أعلام المنائر ـ التي شُبّهوا عليهم السلام بها في الهداية الكاملة ـ إمّا باعتبار رفع ما بنيت عليه ، فإنّ «العلم» الجبل ونحوه ، وإذا كانت المنارة على مرتفع ، كانَتْ أكثر وأعظم هدايةً . أو أنّ المراد بأعلامها نفسها ، وذكر الأعلام للإعلام بأنّها منصوبة للهداية . أو أنّ المراد بالأعلام ما في رؤوسها ، وهو ما يبنى في رأس المنارة كالراية ، فإنّ العَلَم الراية أيضاً . والعَلَم العلاّمة أيضاً ؛ فيحتمل إرادة رفع علامات المنائر التي بارتفاعها تزيد الهداية والوضوح . ونحو هذا المقام قول الخنْساء : وإنّ صَخْرا لتأتم الهُداةُ به كأنّه عَلَم في رأسِه نارٌ [٢] قوله : (عَظيمٌ خَطَرُه) بفتح الطاء المهملة ، أي قَدْره ومنزلته . قوله : (صاحِبَيْنِ مُؤتلِفَيْنِ) أي كلّ واحد منهما مصاحبٌ للآخر ومؤتلفٌ معه ؛ لأنّ الصاحب لا يكون صاحباً إلاّ بآخر ، وقيّد الائتلاف للتنبيه على أنّ الصحبة قد تكون من غير ائتلاف ولو في الباطن . ولمّا كانت الإمامة في كلّ عصر منحصرة في واحد ، وكان الإمام بعد النبيّ صلى الله عليه و آله أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان المقام مقام ذِكْر مَن خَلْفه من بعده على الاُمّة ، ذَكَرَه مع الكتاب ، وإلاّ فكلّ منهم عليهم السلام مصاحبٌ للكتاب بنصّ من اللّه ورسوله صلى الله عليه و آله . والأحاديث في ذلك كثيرة ، مثل قوله صلى الله عليه و آله : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا : كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي» [٣] وإخباره عليه السلام : إنّهما [٤] لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض ، وإنّهما حبلان ممدودان [٥] ، وإنّهما ثقلان : أكبر وأصغر [٦] ، وغير ذلك ممّا هو مذكور في محالّه .
[١] في «ج» : «للثاني» .[٢] بلاغات النساء ، لابن طيفور ، ص ٤٧ ؛ تفسير القمّي ، ج ٢ ، ص ٣٤٥ ؛ التبيان ، ج ٩ ، ص ١٦٦ ؛ مجمع البيان ، ج ٩ ، ص ٥٤ ؛ تفسير القرطبي ، ج ١٦ ، ص ٣٢ ؛ شرح نهج البلاغة ، لابن أبيالحديد ، ج٢٠ ، ص ١٦٠ .[٣] قد تواترت هذه الرواية بين العامّة والخاصّة ونشِر إلى بعض مصادره الروائية الخاصّة ، منها : بصائر الدرجات ، ص ٤١٣ ، باب في قول رسول اللّه إنّي تارك ... ، ح ٣ ؛ الكافي ، ج ٢ ، ص ٤١٤ ، باب أدنى ما يكون به العبد مؤمنا ... ، ح ١ ؛ الأمالي ، للصدوق ، ص ٤١٥ ، المجلس ٦٤ ، ح ١٥ ؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام ، ج١ ، ص ٢٢٨ ، الباب ٢٣ ، ح ١ ؛ كمال الدين ، ج ١ ، ص ٢٣٨ ، الباب٢٢ ، ح ٥٤ ؛ معاني الأخبار ، ص ٩١ ، باب معنى الثقلين والعترة ، ح ٥ ؛ الأمالي ، للمفيد ، ص ٤٥ ، المجلس ٦ ، ح ٦ ؛ الإرشاد ، ج ١ ، ص ١٧٦ ؛ الغيبة ، للنعماني ، ص ٤١ ، باب فيما جاء في تفسير قوله تعالى : واعتصموا بحبل اللّه جميعا ، ح٢ ؛ الأمالي ، للطوسي ، ص ١٦١ ، المجلس ٦ ، ح ٢٠ .[٤] في «ج» : «بأنّهما» .[٥] المجازات النبويّة ، للشريف الرضي ، ص ٢١٦ ؛ العمدة ، لابن البطريق ، ص ٨٣ و١١٨ ؛ شرح نهج البلاغة ، لابن أبيالحديد ، ج ٩ ، ص ١٣٣ ؛ إيمان أبيطالب ، للفخّار ، ص ٦٥ ؛ بحار الأنوار ، ج ٢٩ ، ص٦٣٠ .[٦] عيون أخبار الرضا عليه السلام ، ج ٢ ، ص ٣٠ ، باب ٣١ ، ح ٤٠ ؛ كمال الدين ، ج ١ ، ص ٢٣٤ و٢٣٨ ، باب ٢٢ ، ح٤٥ ، ٥٥ و٥٧ ؛ الاحتجاج ، ج ١ ، ص ٦٠ ؛ رجال الكشّي ، ص ٢١٩ ، ح ٣٩٤ .