الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٦٧
.وابتعَثَ الرسلَ مبشّرين ومنذرين ؛ « ليَهْلِك من هَلكَ عن بيّنة ويَحيا مَن حَيَّ عن بيّنة» ، وليَعْقِلَ العبادُ عن ربّهم ما جهلوه ،{...}
قوله : (وَابْتَعَثَ الرُّسُلَ) . في الصحاح : بعثه وابتعثه بمعنى ، أي أرسله . [١] وقد يقال : إنّ في الابتعاث زيادة عمّا يدلّ عليه البعث ، والزيادة من حيث تأكيد الحجّة والبيان وإيضاحهما [٢] ، ووضوح أمر الرسل ، وكونهم من قِبَله تعالى بحيث لايبقى لهم شبهة يتشبّثون بها ، ونحو ذلك . قوله : (مُبَشِّرينَ ومُنذِرينَ) ، أي مبشّرين بالثواب ومنذرين من العقاب ؛ واللّه أعلم . قوله : « لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ » ، أي بعد ظهور البيّنة والحجّة ، أو هلاكاً ناشئاً عن البيّنة ، بمعنى أنّ ظهور البيّنة كان سبباً لهلاكه ، فإنّها لو لم تظهر ربما لم يهلك . وكان هذا أبلغ من الأوّل ، ومثله : « وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَنم بَيِّنَةٍ» [٣] ، واللّه أعلم . قوله : (وَلِيَعْقِلَ العبادُ عن رَبِّهم ما جَهِلوا) [٤] . علّة ثانية [٥] لابتعاث الرسل . ووجه ذلك : أنّ العقل لا يستقلّ بمعرفة اللّه تعالى ومعرفة أحكامه ، ولا ينافي ذلك كون الحسن والقُبح عقليّين ؛ ففائدة العقل أن يعرف به حقّية [٦] إرسال الرسل ، وما يأتون به عن اللّه ، وأنّه منه تعالى لا منهم ؛ فيحصل لهم العلم الكائن عن العقل الذي لولاه ولولا إرسال الرسل واستعمال العقل فيما أتوا به ، لكانوا جاهلين به . وهذا هو السرّ في مقابلة العقل بالجهل ، فإنّ من علم علماً ناشئاً عن العقل كان عالماً ، ومن اكتسب لا بطريق العقل كان جاهلاً . وسيأتي ـ إن شاء اللّه ـ زيادة توضيح لهذا في بابه . وفي قوله : «ما جهلوا» إشعارٌ بأنّ كلّ عاقل لا يخلو من معرفة في الجملة بالصانع تعالى ، وأنّ الرسل يدلّونهم على كمالها بالنسبة إليهم ، وما يجب الاحتراز عنه فيها . ونحوه : «كلّ مولود يولَد على الفطرة» الحديث . [٧]
[١] الصحاح ، ج ١ ، ص ٢٧٣ (بعث) .[٢] في «ج» : «إيضاحها» .[٣] الأنفال (٨) : ٤٢ .[٤] في الكافي المطبوع وأكثر نسخ الكافي : «ماجهلوه» .[٥] في «د» : «علمة ثابتة» .[٦] في «د» : «حقيقة» .[٧] الكافي ، ج ٢ ، ص ١٢ ، باب فطرة الخلق على التوحيد ، ح ٤ ؛ الفقيه ، ج ٢ ، ص ٤٩ ، ح ١٦٦٨ ؛ التوحيد ، ص ٣٣١ ، باب فطرة اللّه عزّوجلّ الخلق على التوحيد ، ذيل ح ٩ ؛ تصحيح الإعتقاد ، ص ٦١ ، معنى فطرة اللّه ؛ المبسوط ، ج ٥ ، ص ١٥٨ ؛ الخلاف ، ج ٣ ، ص ٥٩١ ، المسألة ١٩ ؛ وج٥ ، ص ٥٣٣ ، المسألة ٢١ ؛ وج٦ ، ص ١٤٠ ؛ عوالي اللئالي ، ج ١ ، ص ٣٥ ، ح ١٨ ؛ بحارالأنوار ، ج ٣ ، ص ٢٨١ ، باب الدين الحنيف والفطرة ... ، ح ٢٢ .