الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٦٥٣
باب السعادة والشقاء
[في حديث منصور بن حازم [١] ]
قوله عليه السلام : (إنّ اللّه َ خَلَقَ السعادةَ والشقاءَ ...) . يحتمل أن يكون السعادة والشقاء هما العقلَ والجهلَ ، وكونُهما خلقين آخرين غيرهما . وقوله عليه السلام : (فمَنْ خلَقه اللّه ُ سعيدا لم يُبْغِضْه أبَدا ...) . المعنى ـ واللّه أعلم ـ أنّه تعالى كان عالما قبل خلق الأشياء بمن يحبّه ويطيعه ، وبمن يبغضه ويعصيه منهم ، فأحبّ من علم أنّه سيحبّه وخلقه سعيدا ، وأبغض من علم أنّه سيبغضه فخلقه شقيّا ، فعلى هذا من خلقه سعيدا لم يبغضه أبدا ؛ لأنّ سبب خلقه سعيدا علمُه تعالى بأنّه لا يبغضه ولا يعصيه ، وإذا كان كذلك فلا ريب في أنّه لم يبغضه أبدا ؛ لأنّه لو أبغضه ، لكان علّته العصيانَ ، وقد كان تعالى عالما بعدم العصيان ، فيلزم خلوّ علمه عن بعض الأشياء ؛ تعالى عن ذلك علوّا كبيرا . ولمّا كان يرد هاهنا سؤال وهو أنّ بعض السعداء قد يصدر منهم ما يبغض اللّه ولا يرضيه ، فقد أبغض من أحبّه ، قال عليه السلام : (وإن عمل سوءا [٢] أبْغَضَ عملَه ولم يُبْغِضْهُ) . وهكذا القول فيمن خلقه شقيّا . وقوله عليه السلام : (لما يَصيرُ إليه) تعليلٌ للمحبّة والبغض وإن أساء وأحسن ، أي إنّ سبب محبّته وإن عمل سوء ، وبُغضِه وإن عمل صالحا علمُه تعالى لما يصير إليه في آخر أمره ، أي إنّ السعيد هو السعيد عند خروجه من الدنيا وإن كان شقيّا ثمّ تَدارَك إساءته ، والشقيّ من خرج شقيّا من الدنيا وإن كان محسنا ثمّ
[١] الكافي ، ج١ ، ص١٥٢ ، ح١ .[٢] في الكافي المطبوع : «شرّا» .