الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٦٤٤
ب «عرف» ، ولا يجوز كونه صفة للإنشاء ؛ لأنّ العرض مفتقر إلى محلّ يقوم به ، وأنّ ظهورها وتميز أنفسها حالَ كونها في ألوانها وصفاتها التي شاءها اللّه لها يحصل بالإرادة . فإن قيل : قوله عليه السلام : «وبالمشيئة عرف صفاتها» يدلّ على أنّ العلم بالصفات والحدود حادث لحدوث علّته . قلنا أولاً : إنّه قد بيّن عليه السلام أنّ العلم سابق على المشيئة ، والمشيئة لا تكون إلاّ لشيء ؛ فعلمه تعالى سابق على ذلك الشيء أيضا . وثانيا : إنّه ليس المراد إلاّ أنّ علمه تعالى ليس كعلمنا في كونه لا يحصل إلاّ بعد خروج الشيء من العدم إلى الوجود ، بل هو في حال مشيّته إيجادَ العدوم عالم بجميع جزئيّاته قبل خروجه من كتم العدم . قوله عليه السلام : (فبالتقدير [١] قدّر أقواتها ...) . وذلك لأنّ التقدير هو إمضاء القضاء وتحقُّقُه ، وإذا تحقّق وخرج من كتم العدم ، فلابدّ له من القوت ، فتقدير الأقوات من معلولات التقدير ، وكذلك أيضا بالتقدير «عرف أوّلها وآخرها» ؛ لأنّ معنى التقدير وجود شيء وبقاؤه مدّةً معيّنة . ثمّ لمّا أوهم هذا أنّ الأقوات ليس فيها قضاء غير ممضى ، بل كلّها مقدّرة ممضاة لابدّ من أن تصل ، فلا يحتاج في تحصيلها إلى تعب وسعي ، قال عليه السلام : (بالقضاء أبانَ [للناس] أماكِنَها ، ودَلَّهُم عليها ، وبالإمضاء شَرَحَ عِلَلَها وأبانَ أمْرَها) أي بسبب أنّه تعالى قضاها لهم دلّهم عليها ، فإن استدلّوا مُضيَّ القضاء فوصولها إليهم وانتفاعهم لها إنّما يكون بعد مضيّ القضاء ، وهو إنّما يكون بعد طلبه والسعي فيه ؛ فليتأمّل في هذه الكلمات الوجيزة ليظهر ما خطر في فكري الفاتر في معنى هذا الخطاب العظيم ؛ نسأل اللّه العفو عن الخطأ والزلل .
[١] في الكافي المطبوع : «لتقدير» .[٢] كذا ، والصحيح : «الأخيرتان» .[٣] كذا في الكافي المطبوع وبعض نسخه ، وفي بعض نسخ أُخرى للكافي : «بالمعلوم» .[٤] كذا ، والصحيح : «المَشِيء» .[٥] المراد به قوله : «قبلَ إظهارها» أي عرف قبل إظهارها .[٦] في الكافي المطبوع : «وبالتقدير» .