الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٦٤
.ضلَّت الأوهام عن بلوغ كُنهه ، وذَهلت العقولُ أن تبلغَ غايةَ نهايتِهِ ، {...}
قوله : (ضَلَّتِ الأوْهامُ عن بلوغِ كُنْهِه) ، يعني أنّ الأوهام ـ مع كونها أوسع مجالاً وأكثر طرقاً من العقول ؛ لعدم ما يعقلها ويمنعها عن الوصول إلى ما قد يمنع العقل من الوصول إليه ـ ضلّت عن أن تصل إلى معرفة كنه ذاته ، أي حقيقتها ؛ فبلوغها : معرفتها بوجه مّا باعتبار الصفات ، خصوصاً الذاتيّة . وقد يقال : إنّ حقيقة الذات إذا لم تعرف بالوهم ، لم تتحقّق معرفة الذات [١] بوجهٍ ؛ لأنّ ذلك لا يكون معرفةً للذات ؛ فليتأمّل . أو إلى معرفة كُنْه صفاته ، إمّا بمعنى معرفة جميع صفاته ، أو معرفة حقيقة الصفات ، فإنّ غاية ما يمكن من معرفتها ما يرجع إلى السلوب والإضافات المفيدة للمعرفة بوجهٍ مّا . أو إلى كُنْه معرفته ذاتاً وصفةً ، والوصول في الجملة باعتبار ما عرف من الصفات . وإذا ضلّت الأوهام ، فالعقول بطريق أولى . والمراد بمعرفة الوهم إدراكُه . قوله : (وذَهَلَتِ العقولُ أن تَبْلُغَ غايةَ نِهايَتِهِ) أي نهاية معرفة صفاته ، أو ذاته ، أو مطلقاً . ولعلّ الذات أظهر في الأوّل ، والصفات في الثاني . ولمّا كانت العقول لا تدرك إلاّ ما يمكن تعقّله والوصول إليه ـ بخلاف الأوهام ـ ولم تجد العقولُ سبيلاً إلى ذلك ، ذهلتْ وتحيّرتْ عن بلوغه ؛ فناسب هنا ذكر الذهول . وفي «الأوهام» الضلال ؛ لأنّها تذهب كلّ مذهب ، وهي في الجميع ضالّة عن طريق الوصول . وفي الصحاح : الغاية : المدى ، يقال : قطعة أرض قدر مَدَى البصر . [٢] فالمعنى : ذهلت عن أن تصل إلى أوّل هذا المدى لنهايته ، أو الذي هو نهايته ، فإنّ الغاية تأتي بمعنى النهاية أيضاً ، والمرجع إلى قصورها عن الوصول إلى ما لا يحيط بعلمه إلاّ هو سبحانه ذاتاً وصفةً . ويحتمل أن يكون المعنى أنّها ذهلت عن الوصول إلى نهاية تضاف وتنسب إليه تعالى . وذهولها عن بلوغ النهاية أو مداها يدلّ على أنّها قد تصل إلى ما دون ذلك ، وهو كذلك . ولعلّ ذكر غاية النهاية للدلالة على أنّ ما تصل إليه العقول لا ينتهي إلى ما يقرب من النهاية ؛ فتدبّر ، واللّه تعالى أعلم .
[١] في «ج» : «للذات» .[٢] الصحاح ، ج ٦ ، ص ٢٤٩ (مدى).