الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٦١٢
لمّا كان حمل اللّه الأشياء بمعنى إمساكها وحفظها عن التلف والزوال وهو ليس كحملنا ، أجابَه عليه السلام بأنّه يحمل العرش وغيره من السماوات والأرض وجميع ما فيهما لا غيره . وقرينة إرادة الإمساك من لفظ الحمل ما استشهد به عليه السلام ، وإلاّ لم يصلح شاهدا . ثمّ لمّا سأله السائل عن معنى قوله تعالى : « وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَـلـءِذٍ ثَمَـانِيَةٌ » [١] لما فيه بحسب الظاهر من المنافاة ، أجابَه عليه السلام بما مضمونه أنّ بين الحمل في كلامه عليه السلام ـ الذي يجوز إطلاقه عليه تعالى ـ والحملِ في الآية اشتراك لفظيّ لا معنويّ [٢] ؛ فإنّ الأوّل بمعنى الإمساك ، والثانيَ بمعنى التحمّل . وبَيَّنَ عليه السلام أنّ العرش المحمول هو العلم الذي هو جزء العرش ، وبَيَّنَ أنّه تعالى خلقه من أنوار أربعة ، فيكون من باب إطلاق الكلّ وإرادة الجزء ، والمجوّزُ كونُه أعلى الأفراد . قوله عليه السلام : (فبِعَظَمَتِه ونورِه أبْصَرَ قلوبُ المؤمنينَ ...) . «قلوب» مرفوع على الفاعليّة ، أي إنّ العظمة والنور الذي هو العلم إبصارُ قلوب المؤمنين بسببه لا لتباسها به ، وأيضا معاداة الجاهلين بسببه لخلوّهم منه ، وأيضا بسببه ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة ؛ لأنّ حصول الابتغاء إنّما يكون بعد حصول العلم . فقوله : «وهو العلم» بيان للنور الأبيض ، ويحتمل أن يكون المراد بالنور في قوله : «فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين» النورَ الأبيضَ الذي فسّره بالعلم ؛ وفي قوله : (وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون) النورَ الأصفرَ ، وفي قوله : (وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض ...) النورَ الأخضرَ والأحمرَ ، ليكون من ابتغى بالدين الحقّ مبتغيا بالنور الأخضر ، ومن ابتغى بالدين الباطل مبتغيا بالنور الأحمر ، فيكون النشر على ترتيب اللفّ ، بقرينة تقدّم الحقّ على الباطل ؛ واللّه أعلم . قوله عليه السلام : (فكلُّ محمولٍ يحْمِلُهُ اللّه ُ ...) .
[١] الحاقة (٦٩) : ١٧ .[٢] كذا ، والصحيح : «اشتراكا لفظيا لا معنويا» .