الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٥٩
.وكلَّتْ دونه الأبصارُ ، وضلَّ فيه تصاريفُ الصفاتِ .
قوله : (وَكَلَّتْ دونَه الأبصارُ) . ليس هذا تكراراً لقوله : «لا تدركه الأبصار» وهو ظاهر . قوله : (وضَلَّ فيه تَصاريفُ الصفاتِ) . «تصاريف» جمع تصريف ، بمعنى الاسم لا المصدر ؛ لأنّه لا يجمع كتعاريف وتراكيب . و تصريف الرياح : تحويلها من حال إلى حال جنوباً وشمالاً ودبوراً وصبا وسائر أجناسها ؛ كذا في الغريب . [١] فالمعنى أنّ الصفات التي يصرفها الإنسان من حال إلى حال ، الجاريةَ في الممكن ـ كأن يوصف زيد مثلاً بالكرم تارةً ، وبالبخل اُخرى ، أو بزيادة كلّ منهما ونقصانه ، وبالطول تارة والقِصَر اُخرى ، إلى غير ذلك ـ ممّا يجد تصريف الصفة إلى وصفه بذلك طريقاً واضحاً ، وسبيلاً سهلاً ، فيصرفه بما يوافق حال الموصوف ؛ واللّه سبحانه وتعالى منزّه عن التغيّر والتبدُّل وغيرهما ممّا يجد تصريف الصفات إليه سبيلاً ، فيكون ضالاًّ تائهاً لو رامَ ذلك . أو المعنى أنّ صفاته تعالى لا يمكن معرفتها بكنهها ، فلو رام أحد تصريفها كتصريف صفات غيره الموجب لذلك ، كان ذلك التصريف ضالاًّ . أو بمعنى أنّ تصاريف الصفات مع كثرتها وكثرة طرُقها تاهت عن الوصول إلى حقيقة ذاته وكنه صفاته . وهو من باب « عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ » [٢] ، والمقصود منه النهي عن وصفه تعالى بغير ما وصف به نفسه والوقوف عند ذلك ، وإنّ من لم يكن كذلك كان ضالاًّ في وصفه ، ذاهباً على غير الطريق الذي أمر بسلوكه .
[١] غريب القرآن ، ص ٣٩٥ .[٢] الحاقّة (٦٩) : ٢١ ؛ القارعة (١٠١) : ٧ .