الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٥٦٦
وإلاّ فإن حال جسم لطيف غير متّصل اتّصالاً يمنع دخول الهواء بين ذلك الجسم وأحدهما ، فالرؤية ليست بممتنعة ، فإن منع امتنعت الرؤية كالغشاوة التي تغشي الناظر ، فإنّها لو لم تكن متّصلة به هذا الاتّصالَ ، لما منعت الإبصارَ . يؤيّد هذا قوله تعالى : « خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَ عَلَى أَبْصَـارِهِمْ غِشَـاوَةٌ» [١] على قراءة من قرأ بالنصب على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة، حيث قال: «ختم»، ولم يقل: «جعل» ؛ لأنّ الجعل قد لا يمنع من الرؤية ؛ لأنّه أعمّ، فالدليل على استحالة رؤيته عدم اتّصال الهواء به كما هو متّصل بالرائي ؛ لأنّه لو كان متّصلاً به لَزِمَ أن يكونَ كالمخلوق في كونه محدودا منتهيا ؛ فيلزم التشبيه ، كما دلّ عليه الحديث السابق ، وقوله في آخر هذا الكلام : (تَعالَى اللّه ُ أنْ يُشْبِهَهُ شيءٌ [٢] ) ، فليتأمّل . والتمثيل بالناظر في المرآة للدلالة على أنّه لابدّ أن يكون الهواء متّصلاً بالرائي والمرئيّ .
باب النهي عن الصفة [بغير ما وصف به نفسَه تعالى]
في حديث عبدالرحيم [٣]
قوله عليه السلام : (فَتعالَى اللّه ُ [الذي ليس كمثله شيء] ...) . المعنى ـ واللّه أعلم ـ : أنّ اللّه تبارك وتعالى وصف نفسه بكونه « لَيْسَ كَمِثْلِهِى شَىْ ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » [٤] ، ومن كان كذلك فهو متعال «عمّا يصفُه الواصفونَ المشبّهونَ» . وتوضيحه : أنّ الآية صريحة في أنّه « ليس كمثله شيء » ، ووصْفه بالصورة يقتضي إثبات الشبيه له ؛ لأنّها من لوازم المخلوق . وما قالوه في تأويل هذه الآية بوجه يطابق مدّعاهم ، فهو افتراء على اللّه تعالى ؛ لأنّ مراده نفي ما نسبوه إليه ؛ فلهذا قال عليه السلام : «المفتَرونَ على اللّه ِ» .
[١] البقرة (٢) : ٧ .[٢] في الكافي المطبوع : «خَلْقُه» .[٣] الكافي ، ج١ ، ص١٠٠ ، ح١ .[٤] الشورى (٤٢) : ١١ .