الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٥٢٧
على زهدهم ورغبتهم فائدة ، بل ضرر ووبال . وقولهم بخلاف قولهم دليلٌ على عدم تمسّكهم بالسنّة ، فلا يكونون فقهاء إلاّ بمحض التسمية . ولنذكر هنا حديثاً وَرَدَ عن الرضا عليه السلام يُناسب هذا المقام ، نسأل اللّه العمل بمقتضاه وتوفيقه لما يحبّه ويرضاه . ونقله في الاحتجاج : قال عليّ بن الحسين عليه السلام : «إذا رأيتم الرجل قد حَسُنَ سَمتُه وهَدْيُه وتَماوَتَ في منطقه وتخاضَعَ في حركاته فرويداً لا يغرّكم [١] ، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيّته ومهانته وجبن قلبه ، فنصب الدين فَخّا لها ، فهو لا يزال يَخْتِلُ الناس بظاهره ، فإن تمكّن من حرام اقتحمه ، وإذا وجدتموه يَعِفُّ عن المال الحرام فرويداً لا يغرّكم ، فإنّ شهوات الخلق مختلفة ، فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر ، ويحمل نفسه على شَوْهاء قبيحة ، فيأتي منها محرّماً ، فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك فرويداً لا يغرّكم حتّى تنظروا ما عَقَدَهُ عقلُه ، فما أكثر من تَرَكَ ذلك أجمعَ ثمّ لا يرجع إلى عقلٍ متينٍ ، فيكون ما يُفسده بجهله أكثر ممّا يُصلحه بعقله ، فإذا وجدتم عقلَه متيناً فرويداً لا يغرّكم حتّى تنظروا مع هواه يكون على عقله ، أو يكون مع عقله على هواه ، وكيف محبّته للرئاسات الباطلة وزهده فيها ، فإنّ في الناس من خسر الدنيا والآخرة بترك الدنيا للدنيا ، ويرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال والنعم المباحة المحلّلة ، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة حتى « إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالاْءِثْمِ فَحَسْبُهُو جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ » [٢] فهو يخبط خبط عشوا ، يقوده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة ويمدّه ، وبه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في حياته ، فهو يحلّ ما حرّم اللّه ، ويحرّم ما أحلّ اللّه ، لا يبالي مافات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد يتّقى من أجلها ؛ فاُؤلئك الذين غضب اللّه عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذابا مهيناً . ولكنّ الرجل ، كلّ الرجل ، نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعاً لأمر اللّه ، وقواه مبذولةً في رضى اللّه ، يرى الذلَّ مع الحقّ أقربَ إلى عزّ الأبد من العزّ في الباطل ، ويعلم أنّ قليل ما يحتمله من ضرّائها يؤدّيه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد ؛ وأنّ كثير ما يلحقه من سرّائها إن اتّبع هواه يؤدّيه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول . فذلكم الرجل نعم الرجل ، فبه فتمسّكوا ، وبسنّته فاقتدوا ، وإلى ربّكم به فتوسّلوا ، فإنّه لا تردُّ له دعوةٌ ، ولا تُخَيِّبُ له طَلِبَةٌ [٣] . انتهى كلامه صلوات اللّه عليه . وفي المنتسخ منه بعض سقم في بعض الألفاظ .
[١] في المصدر : «لا يغرّنّكم» وكذا فيما بعد .[٢] البقرة (٢) : ٢٠٦ .[٣] الاحتجاج ، ج ٢ ، ص ٣٢٠ .