الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٥١٥
وهو جاهل بذلك . وليس المراد الغفلة التي يرتفع التكليف معها ؛ واللّه أعلم . بقي احتمال آخر ، وهو أن يكون معنى قوله صلى الله عليه و آله : «من ترك الشبهات نجا من المحرّمات» إلى آخره : أنّ من ترك الشبهات نجا من الوقوع في المحرّمات ، فإنّ الإنسان إذا سهل على نفسه أمر الشبهات وارتكابها ترقّى منها إلى ارتكاب المحرّمات، وهذا أمر وجداني ، فمن حام حول الحمى أوشك أن يدخله ، ومن كثر تردّده حوله دخله ، فإذا منع نفسه من الشبهات من أوّل الأمر ، كانَ منعها من المحرّمات بطريق اُولى،ومَن تعلّق بالشبهات انتهى الأمر به إلى ارتكاب المحرّمات. ومعنى هلاكه حينئذٍ من حيث لا يعلم : أنّ الإنسان إذا تصوّر الحرام ونحوه ممّا هو عظيم في نفسه ارتكابه من أوّل الأمر رآه أمراً عظيما في عينه ، فلا يكاد يقدم عليه إلاّ بجرأة تامّة ، كمن أراد الصعود إلى مكان عالٍ بغير مرقاة ، فإذا خفض على نفسه وسلك ما هو أسهل منه وَلَجَ في ذلك ودخَل أوّلاً فأوّلاً ، كان حين وصوله إليه بعد ذلك أمراً سهلاً عليه ، فينسى أو يتناسى ذلك الأمر العظيم أوّلاً ، فيصير وصوله إليه ودخوله فيه كوصول غير العالم بحاله [١] ودخوله . وهذا أمر ظاهر مكشوف وجداني في مرتكبي الشبهات أوّلاً ، وانتهائهم إلى الدخول في المحرّمات ، كاتّباع أهل الدنيا والجور ومعاونيهم ، تراهم أوّلاً ينزّهون أنفسهم عمّا هو ظاهر الحرام والظلم ، وفي زمانٍ يسيرٍ يترقون إلى أسفل دركات الحرام وظلم الناس ؛ نسأل اللّه التوفيق وحسن الخاتمة ، ونعوذ به من كلّ ما لا يرضاه . وإذا تأمّلتَ ما ذكرناه أمكنك الجمع بين ماهنا وما روي عن أبي عبداللّه عليه السلام من قوله : «كلّ شيء يكون فيه حرام وحلال ، فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» [٢] . وكذا لو حمل ماهنا على ما يناسب ذكره في هذا الباب . ولا يذهب فكرك إلى أنّ ما تقدّم من الكلام يتضمّن تحريم الحلال ، وينافي كون الأصل في الأشياء الإباحةَ مع احتمال دلالته على خلافه ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] في «ج» : بحلاله» .[٢] الكافي ، ج ٦ ، ص ٣٣٩ ، باب الجبن ، ح ٢ ؛ الفقيه ، ج ٣ ، ص ٣٤١ ، ح ٤٢٠٨ ؛ تهذيب الأحكام ، ج ٧ ، ص ٢٢٦ ، ح ٩٨٨ ؛ وج ٩ ، ص ٧٩ ، ح ٣٣٧ ؛ وسائل الشيعة ، ج ١٧ ، ص ٨٧ ، ح ٢٢٠٥٠ ؛ و ج ٢٤ ، ص ٢٣٦ ، ح ٣٠٤٢٥ ؛ وج ٢٥ ، ص ١١٧ ، ح ٣١٣٧٦ ؛ وص ١١٩ ، ح ٣١٣٨٢ .