الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٥٠٩
.قال : الحكمُ ما حَكَمَ به أعدلُهما وأفقهُهما وأصدقُهما في الحديث وأورعُهما ، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر» .
قوله عليه السلام فيه : (الحُكْمُ ما حَكَمَ به أعدَلُهما وأفقَهُهما وأصدَقُهُما في الحديثِ وأورَعُهما ، ولا يَلْتَفِتْ إلى ما يَحكُمُ [١] به الآخَرُ) . ظاهر مثل هذا التركيب اعتبار حكم من اتّصف بالزيادة في الجميع ، والظاهر إرادة الاكتفاء بالزيادة ولو في واحد ؛ أو أنّه بمعنى أعدلهما ، فإن تساويا فأفقههما ، فإن تساويا فأصدقهما في الحديث ، فإن تساويا فأورعهما . ومرجع الوجهين إلى أنّ مثل هذا الكلام يفيد اعتبار حكم من كان فيه كذا وكذا ، أو حكم من كان فيه كذا ، وحكم من كان فيه كذا فعلى الأوّل ظاهر ، وعلى الثاني الحكم ما حكم به أعدلهما ، والحكم ما حكم به أفقههما ، وهكذا ، وحينئذٍ يفيد أنّ الزيادة في واحد يكفي [٢] ، وكان المقام ـ واللّه أعلم ـ يقتضي اعتبار الاكتفاء بزيادة وصف فما زاد ، وإن كانت القاعدة قد تؤيّد الوجه الأوّل ، لكنّ القرينة دلّت على خلافها ؛ واللّه أعلم . و«الأعدل» من شهد بعدالته أكثر ممّن شهد بعدالة الآخر ، وغير ذلك ممّا تثبت به العدالة ، ويزيد أحدهما عن الآخر . والزيادة في الفقه الزيادة في معرفته ، وفهم أحكامه ، وفهم معاني الحديث ووجوه دلالته ونحو ذلك زيادةً عمّا به يصحّ الإفتاء والحكم . ويحتمل اعتبار أفقههما في تلك المسألة . و«الأصدق» بمعنى ثبوت زيادة صدقه وتحقّقه أكثر ، لا أنّه أكثر صدقاً باعتبار كذبه وكذب الآخر ، فإنّ من كان كذلك كان خارجاً غير مراد . و«الأورع» يُعرف بنحو ما تقدّم . وتقييد «أصدقهما» بقوله عليه السلام «في الحديث» قد يفهم منه أنّه إذا اعتبر زيادة صدقه في الحديث كانت كافية وإن لم يزد في غير الحديث ، بل وإن نقص في غيره . ويحتمل أن يكون ذكر الحديث لكون المقام متعلّقا به ، فهو لبيان ما يتعلّق به الكلام من غير ملاحظة المفهوم ، ومع ملاحظته لو زاد غيره عليه في غير الحديث فلا اعتبار بهذه الزيادة ، فالترجيح لزيادة صدق الحديث لا لغيرها ، وكذا لو ساواه . وكأنّ المراد بالتقييد اعتبار المفهوم ؛ واللّه أعلم . وقد يفهم من التقييد أنّه إذا كان أصدق منه في الحديث وكان حالهما مجهولاً في غيره لا يقدح فيهما ، ففيه دلالة حينئذٍ على أنّ الأصل في المؤمن العدالة . وهو كماترى . والتعلّق بمثل هذا المفهوم لا يخلو من شيء . وعدم الالتفات إلى ما يحكم به الآخر ، إمّا لأنّ صاحب الزيادة يكون الحقّ في نفس الأمر معه ، وإن كان لا يقدح ظاهراً في عدالة الآخر وصدقه وفقهه وورعه ؛ لاحتمال استناده إلى سهو ونحوه ؛ وإمّا أمر منه عليه السلام باتّباع حكم هذا دون ذاك لما هو أعلم به .
[١] في «ج» : «ما حكم» .[٢] كذا . والأولى : «تكفي» .