الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٤٩٥
محصّل كلام زرارة رضي اللّه عنه أنّه بعد ما سأل الباقر عليه السلام بما سأله ، سأل بعده الصادق عليه السلام بما معناه : أنّ شيعتكم في تمام الانقياد إليكم والطاعة لكم بحيث لو حملتموهم على التكليف بأشقّ ما يكون لما خالفوكم ، ومع هذا الانقياد كيف تكلّمونهم بما يقتضي اختلافهم فيما ينقلونه عنكم ، وكان هذا لعدم الاعتماد عليهم وأنّهم لا يطيعونكم ، وبمقتضى ما أجده من انقيادهم ومحبّتهم أنّكم تجيبونهم بما لا يقع فيه اختلاف ، فما وجه جوابهم بذلك . وليس مراده بهذا التعرّضَ على الإمام عليه السلام ، بل استعلام وجه ذلك ، وكان زرارة لزيادة محبّته وربطه بهم عليهم السلام وعلمه بعدم مؤاخذته بما يقوله وعدم حملهم كلامه على ظاهره يتجرّأ عليهم بمثل هذا الكلام ، كما في حديث الوضوء وقوله : «ألا تخبرني من أين علمت وقلت إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين» [١] ومراده إخباره بدليله من القرآن ليحتجّ به ، كما تقدّم في حديث أبي الجارود من قول الباقر عليه السلام : «إذا حدّثتكم بشيء فاسألوني من كتاب اللّه » وقول القائل له بعد نقله عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله : يابن رسول اللّه ، أين هذا من كتاب اللّه [٢] . ومثل هذا يقع كثيراً ممّن له تمام الإخلاص والمحبّة ، كما في حديث برخ الأسود ، وطلبه السقيا من اللّه عزّ وجلّ ، وخطابه بما هو مشهور [٣] . ونحوه ما في كلام سيّد العابدين عليه الصلاة والسلام من قوله : «لئن أدخلتني النار لاُخبرنّ أهل النار بحبّي لك» [٤] ، وقوله ما معناه ـ ولا يحضرني ألفاظه ـ : «إذا أدخلت أهل الجنّة الجنّة بإحسانهم ، وأهل النار النار بإساءتهم ، فأين عتقاؤك من النار؟» [٥] . ومثله في كلامه كثير . وقولِ بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لمّا تاب اللّه عليه وأوحى إليه بما معناه : «إن أذنبت بعد ذلك لم أقبل منك ، في جوابه للحقّ عزّ وجلّ : إن لم تعصمني لاُذنبنّ [٦] » . وهذا معنى ما رأيته ولم يحضرني ألفاظه . وما أحسن ما قاله بعض البلغاء في هذا المعنى : قد يخشن اللفظ وكلّه ودّ ، وقد يحسن وليس من رداءته بُدّ [٧] . هذه العرب تقول : لا أباً لك ، ولا يريدون الذمّ ، وويل اُمّه لأمر إذا دهم ، وشأن مثل ذلك أن ينظر إلى قائله ، فإن كان وليّاً فهو للولاء وإن خشن ، وإن كان عدوّاً فهو للبلاء وإن حسن . ومع ذلك قد يكون قصد زرارة الاحتجاجَ على المخالف بحجّة يقطعه بها في حديث الوضوء ، فإنّه كان ذا مناظرة ومباحثة مع الناس . وفي هذا الحديث أنّه عليه السلام ضحك ثمّ أجابه بما في الحديث ، وضحكه قرينة على ذلك ؛ واللّه أعلم .
[١] الكافي ، ج ٣ ، ص ٣٠ باب مسح الرأس والقدمين ، ح ٤ ؛ الفقيه ، ج ١ ، ص ١٠٣ ، ح ٢١٢ ؛ علل الشرايع ، ج ١ ، ص ٢٧٩ ، الباب ١٩٠ ، ح ١ ؛ تهذيب الأحكام ، ج ١ ، ص ٦١ ، ح ١٦٨ ؛ الاستبصار ، ج ١ ، ص ٦٢ ؛ ح ١٨٦ ؛ وسائل الشيعة ، ج ١ ، ص ٤١٢ ، ح ١٠٧٣ ؛ و ج ٣ ، ص ٣٦٤ ، ح ٣٨٧٨ .[٢] الكافي ، ج ١ ، ص ٦٠ ، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة ... ، ح ٥ .[٣] مسكنّ الفؤاد ، ص ٦٩ ؛ المحجّة البيضاء ، ج ٨ ، ص ٨١ .[٤] مصباح المتهجّد ، ص٥٩٥؛ الإقبال ، ص٧٥ ؛ المصباح ، للكفعمي، ص٥٩٩ ؛ بلد الأمين ، ص٢١٢.[٥] انظر : مصباح المتهجّد ، ص ٥٨٥ .[٦] فيما أوحى اللّه عز وجل إلى داود عليه السلام أن ائت عبدي دانيال فقل له إن أذنبت ... . انظر : الكافي ، ج ٢ ، ص ٤٣٥ ، باب التوبة ، ح ١١ ؛ الزهد ، ص ٧٤ ، باب التوبة والاستغفار والندم ، ح ٢٠٠ ؛ بحار الأنوار ، ج ١٤ ، ص ٣٧٦ ، باب قصص أرميا ودانيال و ... ، ح ١٩ .[٧] حكى نظيره السيوطي في تنوير الحوالك ، ص ٧٢ .