الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٤٥٦
وقد أنزَلَه اللّه ُ فيه) . «التبيان» ـ ويفتح ـ : تفعالٌ من البيان ، وهو مصدر شاذّ ، و«حتّى» الاُولى ابتدائيّة ، والثانية تعليليّة ، يتعلّق معنى التعليل فيها بعدم ترك اللّه شيئاً يحتاج إليه العباد ؛ بقرينة «لا يستطيع عبد» . ويحتمل تعلّقه به وبما قبله . و«لو» للتمنّي ، مثلها في : لو تأتيني فتحدّثني . والاستثناء من قوله عليه السلام : «ما ترك اللّه شيئاً يحتاج إليه العباد» كما في الحديث الذي بعد هذا من قوله عليه السلام : «لم يدع شيئاً يحتاج إليه الاُمّة إلاّ أنزله» . والمعنى : أنّ اللّه سبحانه أنزل في القرآن بيان كلّ شيء ، بمعنى أنّه أنزل بيان حكم كلّ شيء وما يتعلّق به . و«التبيان» يمكن أن يكون لكون بيانه تعالى ليس كبيان غيره ممّا قد يشوبه شيء ، فإنّ بيانه تعالى بيان غير مشوب بشيء ممّا ينافيه ومقطوع به . ولا ينافيه عدم ظهور البيان كلّه لكلّ أحد ، فإنّ بيانه مخصوص بالنبيّ والأئمّة عليهم السلام ، وهم الذين يكشفون عن حقيقة ذلك البيان لغيرهم ، ولو ظهر لكلّ أحد تبيان كلّ شيء لم يحتج إلى أخذ الأحكام من الرسول ونوّابه عليهم السلام ، وممّا يترتّب على نصبهم كشفُهم وبيانهم عمّا في القرآن . فإن قلت : ما وجه قوله عليه السلام : «حتّى واللّه ما ترك ... » فإنّه يغني عنه إنزال تبيان كلّ شيء في القرآن؟ قلت : يمكن أن يكون فائدته دفع توهّم عدم إنزال بيان بعض ما يحتاج إليه العباد فيما يستقبل ، أو فيما يتجدّد ويقع ولم يسبق له نظير ، أو أنّه إذا كان احتياجهم إليه قليلاً يمكن أن لا يكون منزلاً ، وهو كما يأتي من قوله عليه السلام : «حتّى أرش الخدش فما سواه ، والجلدة ونصف الجلدة» [١] . أو لما اشتهر من قولهم : «ما من عامٍّ إلاّ وقد خصّ» أو هو بمعنى قدم الحجّاج حتّى المشاة ، ونحو ذلك . وحاصل معنى «ما ترك اللّه شيئاً يحتاج إليه العباد إلاّ وقد أنزله اللّه تعالى» أنه ما تركه على حالة من الحالات إلاّ على حالة الإنزال أو ما أبقاه إلاّ عليها ، كما قيل في قوله تعالى : « وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْأَخِرِينَ » [٢] والترك من الأضدادِ ، فهو بمعنى الجعل أيضاً ، فيحتمل أن يكون المعنى ما جعله إلاّ على حالة الإنزال ، ويحتمل أن يكون بمعنى : ما تركه غير منزل ، وهو حاصل المعنى . ويمكن اعتبار الاستثناء من قوله عليه السلام : حتّى لا يستطيع بتقرّب ما تقدّم ؛ واللّه أعلم .
[١] راجع الحديث ٣ من هذا الباب .[٢] الصافات (٣٧) : ٧٨ ، ١٠٨ ، و١٢٩ .