الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٤٥٤
.فإنّ كلّ سَبَبٍ ونَسَبٍ وقَرابةٍ ووَليجَةٍ وبِدعَةٍ وشُبهَةٍ مُنقَطِعٌ إلاّ ما أثبَتَهُ القرآنُ» .
وقوله عليه السلام : «فإنّ كلّ سبب ...» يحتمل وجهين : أحدهما : أن يراد بالوليجة الثانية وليجة خاصّة من نحو خاصّة الرجل وبطانته بقرينة النسب والقرابة ، فيكون عليه السلام بعد ذكره الوليجة الشاملة لجميع ما ذكر ذَكَرَ أفرادها وبَيَّنَ فسادها بأنّ كلّ سبب بقرابة سببيّة كالاعتماد عليها منقطع ، وكلّ نسب كذلك كان يعتمد الإنسان على قربه من النبيّ صلى الله عليه و آله مثلاً وعلى شرف آبائه وشأنهم أو على متابعتهم في اعتقاد فاسد ونحو ذلك ولا يعمل بما في الكتاب منقطعٌ ، أو كلّ سبب أعمّ ممّا ذكر يريد الإنسان التوصّل به في اُمور الدين ، ويكتفى به ويدخله فيه من غير أصل . ومثل النسب القرابة والوليجة ، وكذلك البدعة إذا ابتدعها الإنسان في الدين أو تابعه عليها غيره ، فإنّها تنقطع ولا يبقى أثرها كما يبقى أثر ما أثبته الكتاب . ومثلها الشبهة ، فإنّ جميع هذه الأشياء تنقطع ولا يترتّب عليها بعد انقطاعها فائدة كما يترتّب على غيرها ، وإن ترتّب لفاعلها ومرتكبها ما سمّاه فائدة في الدنيا . الثاني : أن يكون المراد بالوليجة الثانية الوليجة الاُولى ، فيكون عليه السلام نهى أوّلاً عن اتّخاذ الوليجة من دون اللّه ، ثمّ ذكر وجه النهي عنها وذكر معها أشياء اُخر لا ينبغي الاعتماد عليها ، وهي السبب والنسب وبقيّة ما ذكر معها ، وأنّها [١] مشاركة لها في الفساد . إذا تقرّر هذا ، فالاستثناء يمكن اعتباره متّصلاً ، فيكون الاستثناء من كلّ سبب منقطع ، والمعنى : كلّ سبب منقطع إلاّ ما أثبته القرآن بحيث لا يكون داخلاً في الوليجة من دون اللّه ، أو يكون معنى لا تتّخذوا من دون اللّه وليجة : لا تتّخذوا غيره وسيلةً وملجأً وموصلاً إلى رضاه سوى ما أثبته القرآن ، فإنّه سبب موصل إلى اللّه لا ينقطع . ويمكن اعتباره منقطعا باعتبار نفي الوليجة من السبب وغيره ، بمعنى أن لا يكون الاعتماد إلاّ على اللّه ، ولا يكون غيره متّخذا وليجة . وذكر «ما أثبته القرآن» لبيان طريق الاتّصال به تعالى دون غيره ، فإنّه يكون بما أثبته القرآن ، وحاصله : أنّ جميع الولائج تنقطع إلاّ التعلّقَ باللّه والاعتمادَ عليه ومتابعةَ ما يرضيه الثابتةَ بالقرآن . واعلم أنّ ضمير «منقطع» يرجع إلى السبب ، ولا يجوز رجوعه إلى الجميع إلاّ على وجه بعيد ، وهو أن يقدّر بكلّ ذلك ، أو كلّ ما ذكر . وهو كماترى . وكان السرّ في إفراده ليرجع إلى السبب فقط ليكون الاستثناء منه ، فيكون متّصلاً ، ولا ينافي الاستثناء منه ذكر البواقي معه ، كما تقول : جاء الناس والخيل والدوابّ إلاّ زيداً ، وحينئذٍ فيقدّر للبواقي ما يناسبها من التذكير والتأنيث ، ولو رجع الضمير إلى الجميع لقيل «منقطعة» واللّه تعالى أعلم .
[١] في «ج» : «فإنّها» .