الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٤٥٠
.قال : نعم ، قال : «لا تَقِسْ ، فإنَّ أوّلَ من قاسَ إبليسُ حين قال : خلقتَني من نار وخلقتَه من طين ، فقاسَ ما بين النار والطين ، ولو قاسَ نوريّةَ آدمَ بنوريّة النار عَرَفَ فَضْلَ ما بين
قوله عليه السلام «لا تقس فإنّ أوّل من قاس إبليس» معناه ـ واللّه أعلم ـ : لا تفعل هذا الفعل الذي أوّل من فعله واخترعه إبليس ، ومن فعل كفعل إبليس كان مثله . ولا شبهة في أنّ هذا الفعل كان من إبليس فعلاً شنيعاً باطلاً ، كيف وقد جعله دليلاً على ترك طاعة اللّه سبحانه ، وحجّةً له على اللّه ، وما كان بهذه المرتبة كان من فعل مثله مشابهاً له وجاعله أمامه ومقتداه ؛ فما أشبهه بإبليس وأشبه من كان يجب عليه اتّباعهم والانقياد إليهم بآدم ، عليهم جميعاً سلام اللّه . والنور الموصوف بالنوريّة هو الجوهر المتقدّم في الحديث السابق . والقياس في الحديث السابق للجوهر بالنار وهنا لنوريّة أحدهما بنوريّة الآخر ، ولا منافاة بينهما ، فإنّه لو فعل كلاًّ منهما لظهر له التفاوت وخطاؤه في قياسه . لا يقال : إنّ قوله عليه السلام : «ولو قاس ...» يدلّ على صحّة القياس في الجملة . لأنّا نقول : إنّه عليه السلام بصدد بيان القياس الفاسد ، وهو الذي لا يعلم وجهه ، وأمّا هذا فإنّه قياس غير فاسد ؛ أو أنّه عليه السلام سمّاه قياساً لما تقدّم . وكيف كان ، فلا يرد ما ذكر ، مع أنّ قياس منصوص العلّة المشهور أنّه لا حرج فيه ، فليس كلّ قياس باطلاً ، بل الباطل قياس إبليس وما شابهه . وحاصله : أنّ التسمية بالقياس لا دخل لها ، بل معنى القياس ، فإن أردت بقولك : «إنّه يدلّ على صحّة القياس في الجملة» صحّةَ بعض أفراد القياس [١] ، فهو مسلّم ، وإن أردت ما يدخل تحته القياس الفاسد ، فهو ممنوع . ونحو هذا قول أبي جعفر عليه السلام في حديث سدير الصيرفي : «أما علمت أنّ أصحاب الكهف كانوا صيارفة» [٢] . وفسّره الصدوق رحمه اللّه بقوله : يعني صيارفة الكلام ولم يعن صيارفة الدراهم [٣] . فالمراد منه ـ واللّه أعلم ـ أنّ التسمية وحدها لا تعتبر ، بل المعتبر المعنى ، فالصيرفيّ سواء كان صيرفيَّ كلامٍ أم صيرفيّ دراهم ونحوها مع الزيادة والنقصان ونحوهما مذمومٌ ، دون مجرّد التسمية . وقد وقع في توجيه الحديث المذكور في الفقيه كلام باعتبار كلام الصدوق بعده ، وبتأمّل ما ذكرته هنا يظهر وجهه . ويمكن أن يكون كلام الصدوق مضمونه من كلام الإمام عليه السلام ؛ واللّه أعلم . وهذه صورة الحديث : وروى سدير الصيرفيّ قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : حديث بلغني عن الحسن البصري ، فإن كان حقّاً فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون . قال : «وما هو؟» قلت : بلغني أنّ الحسن يقول : لو غلى دماغه من حرّ الشمس ما استظلّ بحائط صيرفيّ ، ولو تفرثت كبده عطشاً، لم يستسق من دار صيرفيّ ماء، وهو عملي وتجارتي،وعليه نبت لحمي ودمي ، ومنه حجّي وعمرتي . قال : فجلس عليه السلام ، ثمّ قال : «كذب الحسن ، خذ سواء ، وأعط سواء ، فإذا حضرت الصلاة ، فدع ما بيديك وانهض إلى الصلاة ، أما علمت أنّ أصحاب الكهف كانوا صيارفة» [٤] يعني صيارفة الكلام ، ولم يعن صيارفة الدراهم [٥] .
[١] في «ج» : «أفراده» .[٢] الكافي ، ج ٥ ، ص ١١٤ ، باب الصناعات ، ذيل ح ٢ .[٣] الفقيه ، ج ٣ ، ص ١٥٩ ، ذيل ح ٣٥٨٣ .[٤] الكافي ، ج ٥ ، ص ١١٣ ، باب الصناعات ، ح ٢ .[٥] الفقيه ، ج ٣ ، ص ١٥٩ ، ح ٣٥٨٣ .