الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٤٤٣
سؤاله تعالى لا عبرة به ومحال أن يجابوا عنه ، والأنبياء ونحوهم لا يقع منهم السؤال ؛ لعلمهم بكونه تعالى لا يُسأل عمّا يفعل ، ولأنّ السؤال عن الفعل متضمّن لمعنى التعرّض أو الإنكار ونحوه ممّا يقتضيه السؤال في مثل هذا المقام ، كما في قوله تعالى : « لاَ يُسْـئلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْـالُونَ » [١] . وقولُ الملائكة « أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ الدِّمَآءَ » [٢] يمكن تأويله ، وقد يقع السؤال من الأنبياء ونحوهم عن بعض وجوه حكمته تعالى ، لا على الوجه المذكور ، بل السؤال العلم به ، ويمكن أن لا يقع ذلك منهم إلاّ بإذن منه تعالى ؛ وهذا خارج عمّا نحن فيه . الثاني : أنّه لا يسأل أحد عن وجه تحليله وتحريمه بحيث يترتّب على هذا السؤال جواب من المسؤول ؛ لأنّ المسؤول إمّا جاهل ، فلا عبرة بجوابه ، وإمّا عالم ، فلا يجيب بمثله ؛ لأنّه يعلم أنّ الحكيم لا يفعل إلاّ الأشياء المحكمة المتقنة على وجه المصلحة ولا يعلم وجوه حكمته تعالى ، وإن أجاب كان غير عالم . ويمكن أن لا يعتبر معنى الاعتراض ونحوه من السائل ، ويكون المعنى : أنّ اللّه سبحانه ليس ممّن يسأل هو أو غيره : لأيّ شيء حلّلت هذا وحرّمت هذا ؟ أو لأيّ شيء حُلّل هذا وحرّم هذا؟ على وجه طلب معرفته واستفادته ؛ لأنّ حكمته تعالى أمر عظيم لا تسعه عقول البشر ، فلا يترتّب على السؤال فائدة للسائل ، بخلاف غيره تعالى ؛ فإنّه يمكن السؤال منه ومن غيره بحيث إذا أجاب يكون جوابه متضمّناً لما تدركه العقول إمّا بقبول أو ردّ . والتعبير بـ «كيف أحلّ» دون «كيف أحللت» قد يؤيّد الوجه الثاني ، ولكنّه لاينافي بعدُ التأويلَ الأوّل . ووجه الاستدلال بذلك على بطلان القياس أنّه إذا كان تعالى لا يُسأل كيف أحلّ وكيف حرّم ـ بأيّ معنى اعتبر ـ كان كلّ ما يفعله بمقتضى حكمته تعالى ، ووجوه حكمته لا تدركها العقول ، لتحكم بتماثل ما يظهر لها اتّفاقُه فتقيس بعضه على بعض ، ولا باختلافه ، فلا تعمل فيها القياس . ولا يمكن معرفتها من سؤاله فيتخيّل فيها إجراء القياس ولا تقدر على إنكار ما فعل ، فلا يعترض عليه تعالى بالسؤال بكيف حلّلت هذا وحرّمت هذا؟ لإرادة إظهار وجههما ، ولا يُسال بوجه آخر ممّا تقدّم . وهذا بخلاف غيره تعالى ، فإنّ العقول غالباً ما يتّفق على وجه صحّة فعله وفساده ، والفرض أنّ الفاعل من العقلاء ، فإذا كان ممّن يُسأل عن فعله : لِمَ فعلت هذا ، ولم فعلت هذا؟ أمكن القياس في فعله ؛ لأنّه إذا صدر منه فعلٌ وكان عاقلاً وعرف وجهه بقوله الموافق للعقل أو بالعقل ، أمكن قياس فعل آخر صدر منه عليه ، فمفهوم كلامه عليه السلام يدلّ على أنّ من يُسأل : كيف أحلّ وكيف حرّم؟ يمكن أن تقاس أفعاله بعضُها على بعض ؛ لأنّه يُسأل : كيف فعل هذا وكيف فعل هذا؟ ومنطوقه أنّه تعالى لا يجرَى القياس في أحكامه ؛ لأنّه لا يُسأل : كيف أحلّ وكيف حرّم ؟ . والحاصل : أنّ من يُسأل عن علّة التحريم والتحليل ، يمكن إجراء القياس في أفعاله ، واللّه تعالى لا يُسأل عن علّة ذلك ، ولا تعلم العلّة بالعقل ، فلا يجرى القياس في أفعاله ؛ لأنّ القياس ممكن مع معرفة العلّة والوجه ، لا مع جهلهما ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] الأنبياء (٢١) : ٢٣ .[٢] البقرة (٢) : ٣٠ .