الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٤١٧
.حتّى إذا ارتوى من آجِنٍ واكْتَنَزَ من غير طائل جَلَسَ بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره ، وإن خالَفَ قاضيا سَبَقَه ، لم يأمَنْ أن يَنقُضَ حكمَه مَن يأتي بعدَه كفِعْلِهِ بمَن كانَ قبلَه ،{...}
«حتّى إذا ارتوى من آجنٍ» أي بكّر وحصل الكثير حتّى امتلأ ممّا هو كالماء الآجن ، وهو المتغيّر الطعم واللون والرائحة من الجهل والاعتقادات الفاسدة وما شابهها [١] ، كما يمتلي المرتوي من الماء ، يقال : رويتُ وارتويتُ وتروّيتُ ، كلّه بمعنى ؛ ذكره في الصحاح [٢] . «واكتنز من غير طائل» . في القاموس : «اكتنز» : اجتمع وامتلأ [٣] . فالمعنى أنّه امتلأ من هذا الشيء الذي لا طائل تحته ، أو أنّه حصّل وجمع وأحرز ما هو عنده بحسب اعتقاده الفاسد كالكنز من غير أن يكون إحرازه وجمعه لشيء ينتفع به ، أو من غير أن يكون أصله ممّا يُشابه ما يكتنز ، أو من غير أن يترتّب عليه نفع كما يترتّب على المال المكتنز ؛ بل ضرر . «ضامناً لتخليص ما التبس على غيره» . وجه ضمانه أنّه لم يكن فعله وتحصيله مأخوذين عن أصل ليكون حجّة وسنداً ، بل لمجرّد الشهرة وإظهار الفضيلة بين الناس ليعتقدوه ويروّجوا حاله ، ولم يكن أساسه على تقوى ، ومن كانت هذه حاله كان ضامناً للجواب عن كلّ ما يسأل عنه ويرد عليه ، فإنّ المانع حينئذٍ من التحرّز والتثبّت مفقود ، والمقتضي للجرأة والضمان موجود ، وجوابه بـ «لا أدري» ونحوه ينافي مطلبه ، فيجترأ على الشيء الذي التبس على غيره ولم يعرف وجهه ، وتركه خوفاً من اللّه أو نحو ذلك ، وغير ما التبس ظاهر جرأته عليه . «وإن خالف قاضياً سَبَقَه ، لم يأمن أن يَنقُضَ حكمَه مَن يأتي بعدَه» . لمّا لم يكن ما يأتي به هذا ناشئاً عن أصل صحيح ، كان هذا المتصدّي خائفاً من نقض حكمه ؛ لبنائه على غير أساس . وعدم الأمن بمعنى أنّه غير مستقرّ الخاطر بما أتى به ، بل حكمه معرض للنقض والهدم ، والناقض قد يكون محقّاً وقد يكون مبطلاً مثله ، ونقضه له من غير وجه . وكلّ هذا بيان لحال هذا الرجل وأنّ ما حصّله لمّا لم يكن على وجهه ، كان ما ذكره عليه السلام من جملة مفاسده الدنيويّة وما يترتّب عليها من العقوبات الاُخرويّة ، وتنبيهاً للغافلين عن حال هذا الرجل ، وعلى أنّ العلم يجب أن يكون مأخوذاً عن أهله حتّى لا يحصل نقض في حضورهم عليهم السلام ، ويكون القاضي مستندا إلى أمرهم ونهيهم في فتواه في غيبتهم . والنقض لسهو مع التحفّظ أو لترجيح ما يستند إليهم لعلّه ليس من هذا القبيل ؛ واللّه أعلم .
[١] في «ج» : «شابههما» .[٢] الصحاح ، ج ٦ ، ص ٢٣٦٤ (روى) .[٣] القاموس المحيط ، ج ٢ ، ص ١٨٩ (كنز) .