الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٣٩٦
بخصوصه كفرض طاعة عليّ عليه السلام ، وإن كان عندهم داخلاً تحت اُولي الأمر على أحد أقوالهم ، فطاعته من هذه الجهة ، لا من حيث هذا الشخص ؛ على أنّهم لا يطلقون وجوب الطاعة بل يخصّونه بما لا يخالف المشروع ونحوه ، بخلاف المعصوم ، فإنّ فرض طاعته مطلق ، وغير المشروع لا يتصوّر منه ؛ لعصمته . وحاصل كلامه عليه السلام : أنّ المرجئة مع نصبهم غير مفترض الطاعة تابعوه وقلّدوه ، وانتصروا له ، وأنتم مع هذا الاعتقاد لم تفعلوا كفعلهم ، بل تركتم أميرالمؤمنين عليه السلام ولم تنصروه كما نصروا منصوبهم ، ولم تقلّدوه كما قلّدوه ، أو تركتم تقليد أئمّتكم ومتابعتهم في كلّ ما يأمرونكم به ويريدونه منكم ، ولم تفعلوا كما فعلت المرجئة في متابعة من نصبوهم ؛ فيكون تقريعاً منه عليه السلام للشيعة بترك التقليد ، مع أنّ التقليد في مثل هذا يجب أن يفعل ؛ فالباب مسوق لذكر مطلق التقليد ، وبيان الممدوح من غيره . ويقرب من هذا كلام أميرالمؤمنين عليه السلام من كلام له في نهج البلاغة : «وإنّي واللّه لأظنّ [١] هؤلاء القوم سَيُدالونَ منكم باجتماعِهم على باطلِهم وتَفَرُّقِكم عن حقِّكم ، ومعصيتكم [٢] إمامكم في الحقّ ، وطاعتِهم إمامَهم في الباطل ، وبأدائهم الأمانةَ إلى صاحبهم وخيانتِكم ، وصلاحهم [٣] في بلادهم وفسادكم ، فلو ائتَمَنْتُ أحدَكم على قعْبٍ [٤] لَخَشِيتُ أن يَذهَبَ بعلاقته ، اللهمّ إنّي قد مَلِلْتُهم ومَلُّوني ، وسَئِمْتُهم وسَئِمُوني ، فأبدِلْني بهم خيراً منهم ، وأبدِلْهم بي شرّاً منّي ... » [٥] . وإن كان محمّد بن عبيدة من غير الإماميّة ، فيحتمل أن يكون من الزيديّة ، ويكون المراد من المرجئة ما تقدّم ، والنصب هنا على ظاهره فيهما ، فإنّ الزيديّة لا يقولون بنصب الإمام من اللّه بنصّ ونحوه ، بل بنصب الرعيّة ، ويوجبون على أنفسهم طاعته وتقليده من حيث إنّه إمام ، وكلّ إمام عندهم واجب الطاعة من حيث إنّه إمام . فكلامه عليه السلام حينئذٍ يتضمّن تقريع الفريقين وتوبيخهم ، أمّا المرجئة فإنّ تقليدهم مع قولهم بعدم فرض الطاعة وتهالكهم على ذلك وانقيادهم إليه في جميع الاُمور غير معقول ، فإنّ من هذا شأنه ينبغي أن يكون مفترض الطاعة ، منصوباً من اللّه بخصوصه ؛ وأمّا الزيديّة فلكونهم هم نصبوا وهم فرضوا ، والنصب والفرض يكونان من اللّه سبحانه ، مع أنّكم أيّها الزيديّة لم تفعلوا مع من فعلتم به ذلك مثل ما فعلت المرجئة ، فتنصروا أئمّتكم وتقلّدوهم كزيد مثلاً . فكلامه عليه السلام يقتضي ذمّ التقليدين معاً . والمراد بقوله عليه السلام : «ثمّ لم تقلّدوه» أنّكم لم تقلّدوه التقليدَ الذي قلّده غيركم ، بقرينة قوله عليه السلام : «فهم أشدّ منكم تقليداً» وقوله أوّلاً : «أنتم أشدّ تقليداً أم المرجئة» . وهذا يتمشّى على التوجيهين ؛ واللّه تعالى أعلم بمقاصد أوليائه .
[١] في المصدر : + «أنّ» .[٢] في المصدر : «بمعصيتكم» .[٣] في المصدر : «بصلاحهم» .[٤] «القعب» : القَدَح الضخم . لسان العرب ، ج ١ ، ص ٦٨٣ (قعب) .[٥] نهج البلاغة ، ص ٦٧ ، الخطبة ٢٥ .