الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٣٥٠
.خيرٌ من روايتك حديثا لم تُحْصِهِ» .
وقوله عليه السلام : «خيرٌ من روايتك حديثاً لم تحصه» ولم يقل : «خير من روايته» أو «من روايتك إيّاه» أو نحو ذلك ، كأنّه تنبيه وقرينة على إرادة ما تضمّنه لفظ «تروه» من المعنيين المذكورين ، ولو قال : «خير من روايته» ونحوه لم يظهر ذلك ؛ فافهمه واللّه أعلم . فإن قلت : يمكن أن يكون المعنى : إنّ [١] تركك حديثاً لم تروه بطريق من طرق الرواية خيرٌ من روايتك حديثاً لم تحفظه ولم تضبطه ، فيكون الحديث الثاني غير الأوّل ، فلِمَ لم يحمل عليه؟ قلت : هذا كلام ظاهري منظور فيه إلى قالب اللفظ ، ساقط بحسب المعنى والربط عن درجة الاعتبار ، فإنّ قولك : «تركك أكل مال زيد خير لك من أكل مال عمرو الحرام أو المشتبه» ممّا يتنزّه عن مثله كلام أهل الذوق السليم ، فكيف بكلام الإمام عليه السلام ، مع أنّ المقام وسياق الكلام يقتضيان أنّ الكلام على وتيرة واحدة ، وأنّ ترك الشيء خيرٌ من فعله ، لا التمييز بين فعلين متغايرين لا ربط لأحدهما بالآخر ، فإنّ التفضيل في مثلهما ينظر فيه إلى أنّ هذا له جهة حسن أقوى من الآخر ، فيرجّح عليه لتلك الجهة ولكن في غير مثل هذا المقام ، كما إذا قلنا مثلاً : جلوس زيد أحسن من أكله ، إذا كان جلوسه مشتملاً على هيئة حسنة وأدب بخلاف الأكل . وفرقٌ بين قولنا : هذا الفعل خيرٌ من هذا الفعل ، و [ قولنا ] : هذا الفعل الذي تفعله خير لك من كذا ؛ فتدبّر ، واللّه أعلم .
[١] في «ألف ، ب» : - «إنّ» .