الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٣٤٤
.فَراعٍ يَرْعى حياتَه ، وراعٍ يرعى هَلَكَتَه ، فَعِند ذلك اختَلَفَ الراعيانِ ، وتَغايَرَ الفريقانِ» .
وقوله عليه السلام : «فراع يرعى حياته ، وراع يرعى هلكته» متفرّعٌ على ما قبله ، فإنّ العلماء الذين يحزنهم ترك الرعاية يكونون مراعين للرعاية ، وفي ذلك حياتهم وسعادتهم في الآخرة ، فإنّ الحياة فيها هي الحياة ، والجُهّال يحزنهم حفظ الرواية على وجهها ، فهم يرعون عدم تحقّق ذلك ، وفيه هلاكهم في الآخرة ، وهو الهلاك الحقيقي . ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب القرآن ، والمعنى حينئذٍ أنّ من يرويه كثير ، ومن يراعي معانيه ولو بأخذها من أهلها قليلٌ ، وكم من شخص يعتمد على ما يروي من الحديث كيف كان ، ويترك الكتاب ـ لعدم فهم ما يوافق مطلبه منه ، أو عدم الرجوع في فهمه إلى غيره ، أو عدم مناسبة ما يفهم لمطلبه ـ فهو مستنصح للحديث ، مستغشّ للكتاب من هذه الجهة . وحينئذٍ فكون العلماء يحزنهم ترك الرعاية وجهُه ظاهر ، وتوجيه حزن الجُهّال بتقريب ما ذكر في الأوّل . ويبعّد هذا الاحتمال لفظ «رواة» وسياق الكلام ، ويقرّبه ما ورد في حديث آخر [١] ممّا يدلّ على إرادة القرآن ، مع انصراف إطلاق الكتاب إليه . وهذا هو الوجه الوجيه ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] في حاشية «ألف ، د» : «في الروضة [ الكافي ، ج ٨ ، ص ٥٢ ، ح ١٦ ] في رسالة أبي جعفر عليه السلام إلى سعد الخير : «قد رفع اللّه عنهم علمَ الكتاب حين نبذوه ، ووَلاّهم عدوَّهم حين تَولَّوْه ، وكان من نَبْذِهم الكتابَ أن أقاموا حروفَه ، وحرَّفوا حدودَه ، فهم يَروونَه ولا يَرعَونَه ، والجهّالُ يُعجِبُهم حفظُهم للرواية ، والعلماءُ يَحزُنُهم تَركُهم للرعاية» الحديث . وفيه تأييد لكون المراد بالكتاب هنا القرآن ؛ واللّه أعلم . وفي سرائر ابن إدريس [السرائر ، ج ٣ ، ص ٦٤٠] مما استطرفه منن كتاب انس العالم للصفواني عن أبي عبداللّه عليه السلام : «العلماء يحزنهم الدراية ، والجهّال يحزنهم الرواية» . والمعنى هنا ظاهر إن كان بالجيم والزاي ؛ ومن الحزن معنى حزنهم عليها حزنُهم على تركها أو فوتها (ألف : منه عفا اللّه عنه) ؛ (د : منه مدّ ظلّه) » .