الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٣٠٨
.فتَكْفُروا ، ولا تُرخِّصوا لأنفسكم فَتُدهِنوا ، ولا تُدهِنوا في الحقّ فتَخْسَروا ، وإنَّ من الحقّ أن
قوله عليه السلام : «ولا ترخّصوا» معطوف على «لا ترتابوا» لا على ما قبله ، و«إنّ من الحقّ ...» معطوف على «لا ترخّصوا» ، و«إنّ أنصحكم ..» معطوفٌ على «إنّ من الحقّ» ، أو الجميع معطوف على المعطوف عليه الأوّل . و«الريب» في الأصل قلق النفس واضطرابها ، ولعلّ المراد هنا أنّكم لاتسلكوا طريق الشبهات التي توصل إلى الشكّ في أمر الدين والولاية ، بل الزموا طريق الصواب الواضح الذي أمرتم بسلوكه . «ولا تشكّوا فتكفروا» أمّا الكفر الحقيقي ، كما لو أدّى الشكّ إلى ما يقتضيه ؛ أو الكفر المنافي لكمال الإيمان ، كما هو كثير متعارف ؛ أو الشامل لهما باعتبار ما يصدق عليهما بالتواطؤ والتشكيك ، وصَرْف كلّ إلى ما يناسبه . والمداهنة : إظهار خلاف ما يضمر والغشّ . ولعلّ المراد هنا : لا ترخّصوا لأنفسكم فيما لا يجوز ، أو فيما ينبغي تركه مطلقاً ، فإنّه قد يؤدّي إلى ما لا يجوز فتغشّوا أنفسكم ، أو مطلقا ، وإن كان يرجع إلى غشّ النفس ، فإنّ من غَشَّ غيره فقد غشّ نفسه ، ولا تستعملوا الغشّ في الحقّ فتخسروا دينكم وآخرتكم . وعبّر عليه السلام ب «تخسروا» من حيث إنّ الغشّ في الحقّ كالغشّ فيما يعارض به الإنسان ، فإنّه يغشّ سلعته لنفع دنيويّ يترتّب عليه الضرر الاُخرويّ ، وقد يترتّب عليه ضرر وخسارة دنيويّان أيضاً . والغشّ في الحقّ يقتضي خسارة الدين ، وهي أعظم الخسران ؛ بل هي الخسران ، وقد يخسر معها الدنيا . وقوله عليه السلام : «وإنّ من الحق أن تفقّهوا» بيانٌ لما هو من أجَلِّ أفراد الحقّ الذي لا ينبغي غشّ النفس فيه ، وهو الفقه الذي هو العلم ، ومن ذلك العلم أن لا تغترّوا ، أي تخدعوا [١] أنفسكم ويخدعها غيركم بما يؤدّي إلى ترك العمل بالعلم ، فإنّ العمل من العلم من حيث إنّه لا يتمّ ولا تحصل ثمرته إلاّ به . ولا ينافيه «المؤمن غرٌّ كريمٌ» [٢] فإنّ الظاهر أنّ المراد به أنّه قد يغترّ و يخدع فيما يتعلّق بدنياه ، لا بدينه وآخرته ، وقد تقدّم . ثمّ نبّه عليه السلام على أنّ النصيحة والغشّ المعبّر عنه بما يتضمّنه الإدهان تتفاوت مراتبه ، فبقدر النصيحة تكون الطاعة ، وبقدر الغشّ تكون المعصية ؛ واللّه أعلم .
[١] في «ب» : «لا تخدعوا» .[٢] الأمالي ، للطوسي ، ص ٤٦٢ ، المجلس ١٦ ، ح ٣٦ ؛ جامع الأخبار ، ص ٨٥ ، الفصل الحادي والأربعون ؛ وسايل الشيعة ، ج ١٢ ، ص ١٨ ، ح ١٥٥٢٨ ؛ بحارالأنوار ، ج ٦٤ ، ص ٢٩٨ ، باب علامات المؤمن وصفاته ، ح ٢٣ ؛ مسند أحمد ، ج ٢ ، ص ٣٩٤ ؛ سنن أبي داود ، ج ٢ ، ص ٤٣٥ ، ح ٤٧٩٠ .