الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٢٩٤
وحينئذٍ فقوله عليه السلام : «ألاّ إنّ الإيمان بعضه من بعض» يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون تمثيلاً للعلم والعمل ، وكونهما كالشيء الواحد بالإيمان ، فكما أنّ الإيمان بعضه من بعض فكذا العلم والعمل . الثاني : أنّه قد يسمّى نحو العلم والعمل إيماناً ولو مجازاً باعتبار أنّهما أثر التصديق ، وكلّ منهما مرتبط بالآخر ، فبالعلم تعرف [١] كيفيّة العمل ، وبالعمل تحصل ثمرة العلم . وعلى الوجه الأوّل ـ وهو حمل المعرفة على معناها المتعارف ـ فعلى تقدير كون العمل جزءاً من الإيمان ، المعنى ظاهرٌ . ويؤيّده ظاهر كثير من الأحاديث ، كالحديث الدالّ على كفر تارك الصلاة من غير تقييد بالاستحلال ونحوه [٢] ، وحديث «لا نعدّ المؤمن مؤمناً» [٣] ، والحديث الآتي من قوله : «فإنّ العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلاّ كفراً» [٤] وغيره ممّا يأتي في كتاب الإيمان والكفر ، إن لم تحمل على خلاف ظاهرها . وعلى تقدير كون العمل ليس جزءاً من الإيمان ـ كما هو المشهور المعمول به ـ فيمكن تنزيله على من ترك العمل بالعلم ولو في فرد مستحلاًّ ، أو على نفي الإيمان . الكامل بحيث لا يؤدّي الترك إلى ترك الإيمان وكذا ما تقدّم من الأحاديث ونحوها يحمل على هذا التقدير على ما يوافق كون العمل ليس جزءاً من أصل الإيمان ؛ واللّه تعالى أعلم . و«ألا» ـ بفتح الهمزة والتخفيف ـ للتنبيه واستفتاح الكلام ، فكأنّه عليه السلام استفتح كلاماً مستأنفاً لقصد التنبيه للسامع بأنّ ما ذكر أوّلاً يحصل به الإيمان ، وهو جمع الأمرين ؛ ولا تتوهّم أيّها السامع أنّ الإيمان يتمّ بدون الجمع بينهما وأنّ كلاًّ منهما غير مرتبط بالآخر ومأخوذ منه كما تقدّم ؛ واللّه أعلم .
[١] في «ج ، د» : يعرف» .[٢] الكافي ، ج ٢ ، ص ٢٧٨ ، باب الكبائر ، ح ٨ ؛ و ص ٣٨٢ ، باب الكفر ، ح ٩ ؛ الفقيه ، ح ١ ، ص ٢٠٦ ، ح ٦١٦ ؛ علل الشرايع ، ص ٥٢٣ ، باب ٣٧ ، ح ١ ؛ وسايل الشيعة ، ج ٤ ، ص ٤١ ـ ٤٢ ، ح ٤٤٦٣ و ٤٤٦٥ ؛ وج ١٥ ، ص ٣٢١ ، ح ٢٠٦٣١ .[٣] الكافي ، ج ٢ ، ص ٧١ ، باب الخوف والرجاء ، ح ١١ ؛ وص ٢٤١ ، باب المؤمن وعلاماته وصفاته ، ح ٣٩ ؛ المؤمن ، ص ٣٩ ، باب ما جعل اللّه بين المؤمنين من الإخاء ، ح ٩٠ ؛ الأمالي للصدوق ، ص ٣٢٩ ، المجلس ٥٣ ، ح ٨ ؛ علل الشرايع ، ص ٥٢٣ ، باب ٣٠٠ ، ح ٢ ؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام ، ج ١ ، ص ٢٥٦ ، باب ٢٦ ، ح ٩ ؛ معاني الأخبار ، ص ١٨٤ ، باب معنى السنّة من الربّ ... ، ح ١ .[٤] سيأتي قريبا في باب استعمال العلم ، ح ٤ .