الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٢٩٣
ذكر المعرفة والإيمان في هذا الحديث يظهر منهما أنّ المراد بالمعرفة معرفةُ اللّه سبحانه وما يتعلّق بالعقائد ، وأنّ قبول العمل موقوفٌ على المعرفة ، كما أنّ المعرفة لا تتمّ إلاّ بالعمل ، فمن عرف اللّه دلّته المعرفة على أنّ اللّه سبحانه يجب العمل بما يأمر به وينهى عنه ، فإنّ المعرفة الحقّة لا تجامع المعصية ، فمن ادّعى معرفة اللّه وعصاه ، فهو مدّع للمعرفة من غير أن يكون عنده حقيقتها ، فمن لم يعمل لا يكون عارفاً ؛ لأنّ الإيمان بعضه مأخوذ من بعض ويرتبط به ؛ فالمعرفة ثمرتها مأخوذة من العمل ، والعمل مأخوذ من المعرفة ؛ إذ هي أصلٌ له وهو [١] فرعها ، من حيث إنّ العامل لابدّ أن يكون وجه عمله ملحوظاً لماذا ، وإلاّ كانَ عبثاً لا يسمّى عملاً لما يكون لأجله ؛ إذ هو المقصود والمفروض . ويحتمل أن يُراد بالمعرفة هنا العلم ، كما هو ظاهر موضوع الباب ، ولذكر العمل والدلالة معها ، فالمعنى : أنّ اللّه لا يقبل عملاً إلاّ بمعرفة كيفيّة ذلك العمل ووجهه وما يقتضي صحّته ، فإنّ العمل بغير علم لا ثمرة له ، كما في الحديث السابق من أنّ صاحبه كالسائر على غير الطريق ، فهو ـ وإن أتعب نفسه ـ لا أرضاً قطع إلى ما يريده ولا ظهراً أبقى . وكذلك المعرفة بغير عمل ، فإنّ العالم إذا لم يكن عاملاً لم تحصل [٢] له ثمرة العلم ، فهو في الحقيقة غير عالم ؛ لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه . ومن عرف طرق العمل بالعلم كانَتْ تلك المعرفة دالّة له على العمل الصحيح ، فإن عمل بمقتضى الدلالة كانَ عالماً ؛ لإتيانه بما هو شرط العلم ، وإن ترك لم يستحقّ ثمرة المعرفة والعلم . ولعلّ العدول ـ على هذا الاحتمال ـ عن العلم إلى المعرفة لأنّ المقام مقام معرفة العمل وكيفيّته الحاصلة من العلم ، ولاينافيه دخول المعرفة الخاصّة تحت العلم .
[١] «ألف ، ب ، د» : «وهي» .[٢] في «ألف» : «لم يحصل» .