الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٢٦٣
كما في قوله تعالى : «حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ» [١] يرجعون إليهم من غير أن يكون عندهم أصل علم مأخوذ عن أهل العلم ـ لاخير فيه ، فلا ينبغي متابعتهم فيه ، بل كلّه شرّ . فإن قلت : ما وجه التعبير بقوله عليه السلام : «ولا خير في شيء ليس له أصل» وظاهر المقام التعبير بأنّه شرٌّ ونحوه ، خصوصا ما في هذا المقام من ولاية الجفاة وضلالهم وإضلالهم ، فإنّه محض الشرّ؟ قلت : يمكن الجواب عنه من وجوه : الأوّل : أنّه لمّا كان من يليهم من الجفاة في قالب العلماء ـ الذين يأتون بصورة ما يتوهّمه الجاهل علماء ـ يتوهّم كونهم علماء ؛ وذلك مظنّة توهّم الخير فيهم من الجهّال ، فنفى عليه السلام هذا الخير المتوهّم منبّهاً على أنّه ليس من الخير في شيء ، نظير ماورد في الحديث : «لاخير بخير بعده النار» [٢] . الثاني : أنّه عليه السلام نفى الخير عن كلّ ما ليس له أصل ، ونفيه يوافق كلّ ما ليس له أصل ، بخلاف إثبات الشرّ ، فإنّه لا يُناسب إرادة العموم ؛ فتدبّر . الثالث : أنّ ما لاخير فيه فهو شرّ أو في حكمه ، فإنّ كون الإنسان ـ مثلاً ـ مسلوب الخير بالكلّيّة يكون شرّاً أو بمنزلته ؛ فتأمّل . الرابع : أنّه قد يستعمل مثله ويراد منه نفي الشيء مع إثبات ضدّه أو نقيضه ، بل قد يكون المقصود بالذات إثبات الضدّ أو النقيض ، كما يقال : فلانٌ ليس عنده من العدل شيء ، ويراد أنّه مع ذلك ظالم ، أو يراد به أنّه ظالم فقط في جميع أحواله . ونحوه ما يأتي في حديث لقمان من قوله : «وإذا رأيت قوماً لا يذكرون اللّه ...» [٣] . والعالم الذي يموت فيذهب معه العلم ، الظاهر أنّ المراد به غير المعصوم ، والمعنى حينئذٍ ظاهر . ويحتمل أن يكون المراد به المعصوم ، أو ما يشمل غيره ، والمعنى في غيره أيضاً ظاهر . وأمّا المعصوم وذهابه بما يعلم فباعتبار أنّ الإمام الذي بعده قد لا يمكن الوصول إليه ، ولا أخذ العلم عنه ؛ لخوفٍ وتقيّةٍ ونحو ذلك ، فإذا ذهب الإمام الذي كان يمكن أخذ العلم عنه ولم يؤخذ ، ذَهَبَ بعلمه حيث لم يأخذوه عنه ، فيبقى بين أيديهم ينتفعون به فيمتنعون عن متابعة الجفاة والانقياد إليهم . وهذا لا يخلوا من بُعدٍ . وفي قوله عليه السلام : «فيذهب بما يعلم» تأييد في الجملة لكون ذهب به قد يقتضي ذهابه معه ، والظاهر أن يقال : إنّها تستعمل في المعنيين ، فيقال في مثل قوله تعالى : «ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ» [٤] : إنّه بمعنى أذهبه ، وفي مثل ماهنا : إنّه بمعنى ذهب معه ، والقاعدة ما يقتضيه المقام ، وقد تقدّم نحوه ؛ واللّه أعلم .
[١] ص (٣٨) : ٣٤ .[٢] الكافي ، ج ٨ ، ص ٢٤ ، ح ٤ ، ضمن خطبة الوسيلة ؛ الفقيه ، ج ٤ ، ص ٣٩٢ ، ضمن ح ٥٨٣٤ ؛ و ص ٤٠٦ ، ضمن ح ٥٨٨٠ ؛ الأمالي ، للصدوق ، ٣٢٠ ، المجلس ٥٢ ، ضمن ح ٨ ؛ التوحيد ، ص ٧٢ ، باب التوحيد و نفي التشبيه ، ح ٢٧ ؛ نهج البلاغة ، ص ٥٤٤ ، الحكمة ٣٨٧ .[٣] الكافي ، ج ١ ، ص ٣٩ ، باب مجالسة العلماء ، ح ١ .[٤] البقرة (٢) : ١٧ .