الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٢٢٩
وقد تقدّم وجه الاختلاف بين الإماميّة فقال عليه السلام : «فإنّ فينا ...» أي فإنّ في زمان كلّ خلف ـ أي واحد منهم عليهم السلام يخلف من قبله ـ جماعةً موصوفين بهذه الصفات . والظاهر شمول ذلك لزمان الغيبة الكبرى ، ففيه أمرٌ بأخذه عن مثل هؤلاء ، ونهيٌ عن أخذه عمّن لم يتّصف بهذه الصفات ، فهو دالّ على عدم الاعتماد على رواية مخالفي المذهب وموافقيه غير العدول . ولعلّ المتقدّمين ـ رضوان اللّه عليهم ـ كان اعتمادهم على القرائن الدالّة على صحّة الحديث ، وإلاّ فكيف يخفى عليهم هذا مع نقل ما يدلّ على اجتنابه . فإن قلت : إذا كان من جملة القرائن أن يروي الحديثَ الذي رواه المخالف العدلُ الإمامي أيضاً ، فلِمَ عدلوا عنه إلى ذكر المخالف؟ قلت : على هذا التقدير ربما لم ينقلوه عنه بطريق الرواية ، بل وجدوه في كتاب ونحوه . والمقصود من سند الرواية ذكر المرويّ عنه في جميع السند . واحتمالُ كون المراد من العدالة ما يدخل تحته نحو المخالف الثقة بعيدٌ ، فإنّه جاهل مبطل أو غال . وفي التعبير ب «فينا» دون «منّا» إشارة إلى أنّ العدول غيرهم ، ولا يلزم أن يكونوا منهم غير أئمّة حتّى لو كان لفظ «منّا» حمل على هذا المعنى كما في «سلمان منّا أهل البيت» . [١] والتحريفُ من الغالين حملُهم الكلام على ما يُناسب اعتقادهم الفاسد ونحوه . و«انتحالُ المبطلين» نسبتُهم إليهم عليهم السلام أحاديث ونحوها توافق ماهم عليه من الباطل ، يقال : انتحل فلان شعر غيره أو قول غيره : إذا ادّعاه لنفسه . و«تأويل الجاهلين» وهم الذين لا يعرفون مواقع الكلام ومعانيه ومصادره وموارده ، فيحملونه على ما يخطر ببالهم . ويمكن أن يكون المراد بالجاهلين ما يعمّ كلّ من لم يأخذه على وجهه ، ويجزم بتأويل يقتضيه جهله ، ولا يكون مدلولاً ولا ظاهراً ونحو ذلك ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] عيون أخبار الرضا عليه السلام ، ج ٢ ، ص ٦٤ ، باب ٣١ ، ح ٢٨٢ ؛ رجال الكشّي ، ص ١٤ ، ح ٣٣ ؛ و ص ١٨ ، ح ٤٢ ؛ دلائل الإمامة ، للطبري ، ص ٤٨ ؛ الاختصاص ، ص ٣٤١ ؛ الاحتجاج ، ج ١ ، ص ٢٥٩ ؛ تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام ، ص ١٢٠ ، ح ٦٣ ؛ تفسير فرات الكوفي ، ص ١٧١ ، ح ١٧٠ ، وعن المصادر المذكورة في بحارالأنوار فى مواضع متعدّدة .