الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ٢١٣
ومثله قد يحذف كثيراً لقرينة المقام . وهذا بحسب المعنى كأنّه أنسب . والكفر إن كان المراد به الكفر الحقيقي ، فلعلّ المراد رفع رغبته إلى المخلوق مع اعتقاده أنّه هو الرازق أو المعطي أو الشريك في ذلك ، وإن كان المراد به غيره ممّا لا ينبغي أن يفعله كامل الإيمان ـ كما هو شائع في الحديث وغيره من إطلاق الكفر والشرك والكافر والمشرك على مثل ذلك ـ فالمعنى ما بين كمال الإيمان ونقصه واسطة إلاّ قلّة العقل ، كانَ يرفع الإنسان حاجته إلى مخلوق يجعله وسيلة وسبباً إلى نجحها ، لا على معنى الشركة والاختصاص . وكامل الإيمان ينبغي أن لا يشرك معه تعالى غيره بسببيّة ولا نحوها ، كما ورد في الحديث : «إيّاكم والوسائل ، فإنّ القلّة مع الذلّة» [١] . معناه ـ واللّه أعلم ـ أنّه لا ينبغي الطلب إلاّ من اللّه سبحانه ، فإنّ في الطلب من غيره وجعله وسيلة ذلّةً . و«القلّة لا تفارق الذلّة» إمّا بمعنى أنّه لا يحصل له حينئذٍ شيء ، كما في دعاء زين العابدين عليه السلام : «ومن توجّه بحاجته إلى أحد من خلقك ، أو جعله سبب نجحها دونك ، فقد تعرّض للحرمان ، واستحقّ من عندك فوت الإِحسان» [٢] إن لم يكن الحرمان من غير هذه الحاجة . وإمّا بمعنى أنّه وإن حصّل شيئاً ممّن قصده ، فهو مقلّ فقير ؛ من حيث إنّ التحصيل بما فيه ذلّة لا ينبغي أن يُسمّى صاحبه غنيّاً ، بل الغنيّ من أغناه اللّه ولو بالفقر ، والفقير من حرمه اللّه ولو بالغنى . ولا ينافي ذلك مادلّ على قضاء حاجة المؤمن إذا طلبها من أخيه ، واحتياج الناس بعضهم إلى بعض . وما في بعض الأحاديث من سؤال الغنيّ عن شرار الخلق لا غيرهم ، وما في بعض الأدعية من سؤال الغنيّ عمّن هو غنيّ عن السائل ومثله كثيرٌ ، ومدار نظام العالم على احتياج الناس بعضهم إلى بعض ؛ لأنّه في جميع ذلك ينبغي أن يكون الإنسان طلبه وسؤاله من اللّه تعالى معتقداً أنّ العبد الذي يطلب منه عبدٌ مثله غير مالك حقيقي ، بل مسخّر من اللّه لأن يقضي حاجته ؛ لما قد جرى من عادة اللّه ، ولتنزّهه عن أن يتعاطى مثل ذلك ، فهو كطلب عبد من عبد مالايملك من مال مولاه ، فإذا كان الطلب من المولى أمَرَعبده بإعطاء ما يريده ، والعبد لا ملك له في الحقيقة يتصرّف فيه بإعطاء ونحوه ، وإيّاك أن تعجّل بتوهّم شيء من هذا الكلام ينفي [٣] الاختيار والقدرة والملك للعبد . وقد يفهم من كلام سيّد العابدين عليه الصلاة والسلام ما يؤيّد ذلك من قوله : «أو جعله سبب نجحها دونك» فإنّ مفهومه على أحد معنيي ما يدلّ عليه أنّه إذا جعلك سبب نجحها دونه ، لم يتعرّض للحرمان ، وإن كان الطلب من العبد مع اعتقاده أنّه تعالى سبب النجح وحده . والإشارة بذلك إلى رفع الرغبة بمعنى أنّ اللّه تعالى يؤتيه ما يريد في أسرع من زمان رفع الرغبة إلى المخلوق ، فكيف بما بعده ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] لم نعثر عليه .[٢] الصحيفة السجّادية ، ص ٧٠ ، الدعاء ١٣ ؛ المصباح ، للكفعمي ، ص ٤٠٠ .[٣] في «ب ، د» : «بنفي» .