الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٧٦
١٣.عليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد رَفَعَه قال : قال أميرالمؤمنين عليه السلام : «العقلُ غِطاءٌ ستير ، والفضلُ جمالٌ ظاهرٌ ، فاسْتُرْ خَلَلَ خلقِك بفَضْلك ، وقاتِلْ هواكَ بعقلك ، تَسْلَمْ لك المودّةُ ، وتَظْهرْ لك المحبّةُ» .
قوله عليه السلام في حديث سهل بن زياد : (العقلُ غِطاءٌ ستيرٌ ، والفضلُ جمالٌ ظاهرٌ ، فَاستُرْ خَلَلَ خلقِك بفضلك ؛ وقاتِلْ هَواك بعقلك ، تَسْلَمْ لك المودّةُ ، وتَظهرْ لك المحبّةُ) . «ستير» يحتمل أن يكون بمعنى مستور ، وأن يكون بمعنى ساتر . والأوّل أنسب ب «ظاهر» معنىً ، والثانى به لفظاً . وبمعنى مستور قد يكون من باب «حجاب محجوب وستر مستور» فيرجع إلى فاعل . و«الفضل» في اللغة ضدّ النقص . [١] و«الخلق» بالفتح بمعنى الخلقة ، وبالضمّ وضمّتين السجيّة والطبع والمروّة والدين . والمعنى ـ واللّه أعلم ـ أنّ العقل غطاء يستر العيوب الباطنة ، والفضلُ ـ وهو الأثر الذي يظهر في الإنسان من المزايا الحسنة ـ جمالٌ له ، فإذا كان خلقته ناقصة ، جمّلها بالفضل وجَبَرَ نقصها به . ومنه قيل : الكرم يغطّي كلّ عيب ، والإحسان يقطع اللسان ، وعالج هواه الباطني بالعقل الساتر أو المستور ، أي الباطني ، فيصير بذلك كاملاً في الظاهر والباطن ، ساتراً للظاهر بالظاهر ، وللباطن بالباطن ؛ فتسلم له المودّة ، أي مودّته للّه تعالى ، وتخلص من شوائب مرضها بمتابعة الهوى ، أو مودّة الناس له ، وتظهر له محبّته للّه ، أو تنكشف له محبّة اللّه له أو أثرها ، أو محبّة الناس ، أو مطلقا ؛ فمن أحبّه اللّه أحبَّه الناس الذين هم الناس ؛ واللّه أعلم . و«الغطا» الستير ، بمعنى فاعل ، إمّا تأكيد وإمّا تأسيس ؛ لأنّ الغطاء قد لا يستر . والمعنى على تقدير «الخُلق» ـ بضمّ الخاء ـ ظاهرٌ ، إلاّ أنّه متفرّع على ذكر الفضل من غير ملاحظة ما في الخَلق بفتح الخاء ، وحاصله أنّ الفضل جمالٌ ظاهرٌ ، فاستر خلقك به . ويؤيّده في الجملة ما يأتي في حديث المفضّل : «وحسن الخلق مجلبة للمودّة» [٢] . وعبّر عليه السلام ب «قاتل هواك» دون «استر» لما في كلّ واحد ممّا يدخل تحت الهوى من القوّة وشدّة المدافعة ، فناسب التعبير به ، فإنّ الستر لا يشعر بذلك ، بل ربما أشعر بخلافه ، فإنّ المستور مشعر بضعف فيه وعدم مقاومة ، والأمر بما ذكر أمرٌ بتحصيله وبذل الجهد فيه إن لم يكن حاصلاً وبالعمل به ومراعاة ما يليق به إن كان حاصلاً ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] لسان العرب ، ج ١١ ، ص ٥٢٤ (فضل) .[٢] الكافي ، ج ١ ، ص ٢٧ ، كتاب العقل والجهل ، ح ٢٩ .