الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٦٧
.وسرُّهُ لعلانيته موافقا ؛ لأنّ اللّه َ ـ تبارك اسمه ـ لم يَدُلَّ على الباطن الخفيّ من العقل إلاّ بظاهرٍ منه ، وناطقٍ عنه . يا هشام ، كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول : ما عُبِدَ اللّه ُ بشيء أفضلَ من العقل ،{...}
قوله عليه السلام فيه : (لأنّ اللّه َ ـ تبارَكَ اسْمُه ـ لم يَدُلَّ على الباطنِ الخَفِيِّ من العقلِ إلاّ بظاهرٍ منه وناطقٍ عنه) . يمكن أن يكون هذا تعليلاً لموافقة السرّ والعلانية ، فإنّه لولا العلانية لم يظهر أثر العقل الباطني ، فإذا وافَقَ الظاهر الباطن ، كانَ الظاهر دالاًّ على الخفيّ من العمل بمقتضى العقل ، ومتى خالَفَ الظاهر الباطن ، لم يكُنْ ذلك صادراً عن العقل . وليس هذا للدلالة على معرفة العاقل من غيره فقط، ليقال: إنّه قد لا يطّلع على ذلك؛ بل هو تعليم للإنسان كيف يجب عليه أن يعمل بعقله ، وكيف يعلم أنّه عامل أو غير عامل . وقد يستدلّ غيره عليه بذلك ، فإنّه قد يظهر للغير الموافقة أو المخالفة بالاختيار . ويمكن أن يكون التعليل لتصديق القول والفعل ، وموافقة السرّ والعلانية . وهذا أظهر وأنسب بالسياق ، فبتصديق القول للفعل يظهر أثر العقل الباطني له ولغيره ، وكذا بموافقة السرّ للعلانية . وهذا غير الوجه الأوّل ؛ فتدبّر . قوله عليه السلام فيه : (كان أميرُالمؤمنين عليه السلام يقولُ : «ما عُبِدَ اللّه بشيء أفضَلَ من العقلِ ، وما تَمَّ عَقل امرئٍ حتّى يكونَ فيه خِصالٌ شَتّى) . أي ما عُبِدَ اللّه بشيء من العبادات أفضل من عبادته بعقل الأشياء والعمل بمقتضى العقل فيها ، فإنّ هذه العبادة أفضل من غيرها ، وإن كان الغير مأخوذاً عن العقل ، فأصل عقلها أفضل منها . فهو بمعنى أفضليّة العالم على العابد . ويحتمل أن يكون المعنى ما عُبِدَ اللّه بشيء أفضل من عبادة ناشئة عن العقل ؛ فالتفضيل حينئذٍ إمّا باعتبار اعتقاد العابد غير العامل في عبادته بمقتضى العقل فضلاً في عبادته ، نحو قول أميرالمؤمنين عليه السلام : «فأبْدِلني بهم خيراً منهم ، وأبْدِلْهُم بي شرّاً منّي» ؛ [١] وإمّا بإرادة أفضل من تمام العقل ؛ وإمّا باعتبار كون المفضّل عليها مشتملة على ما هو عن عقل وغيره والذين «خَلَطُواْ عَمَلاً صَـالِحًا وَ ءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» . [٢] والوجه الأوّل ، كأنّه خالٍ عن التكليف ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] نهج البلاغة ، ص ٦٧ ، الخطبة ٢٥؛ الغارات ، ج ٢ ، ص ٣١٧؛ الفصول المختارة ، للفميد ، ص ١٦٩؛ المسائل العكبريّة (ضمن مجموعة مصنّفات الشيخ المفيد) ج ٦ ، ص ٣٥؛ مناقب آل أبي طالب ، لابن شهر آشوب ، ج ٢ ، ص ٢٨١ ، فصل في إجابة دعواته؛ وفي بحارالأنوار ، ج ٣٤ ، ص ١٥٩ ، باب سائر ماجرى من الفتن ... ، ج ٩٧٠؛ و ج ٤٢ ، ص ٢٢٦ ، باب كيفية شهادته و ... ، ج ٣٧ عن نهج البلاغة .[٢] التوبة (٩) : ١٠٢ .