الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٥٥
.يا هشام ، إنَّ لقمان قال لابنه : تواضَعْ للحقّ تَكُنْ أعقلَ الناسِ ، وإنّ الكَيْسَ لدى الحقّ يسيرٌ ، يا بُنيَّ إنّ الدنيا بَحْر عميقٌ ، قد غَرِقَ فيها عالَم كثير ، فلتكنْ سفينتُك فيها تقوَى اللّه ، وحَشْوُها الإيمانَ ، وشِراعُها التوكّلَ ، وقيّمُها العقلَ ، ودليلُها العلمَ ، وسكّانُها الصبرَ .
قوله عليه السلام فيه : (إنّ لقمانَ قال لابنه : تَواضَعْ للحقّ تَكُنْ أعقلَ الناس ، وإنّ الكَيْسَ لدى الحقّ يَسيرٌ ، يا بُنَيَّ إنّ الدنيا بحرٌ عميقٌ قد غَرِقَ فيه عالَمٌ كثيرٌ ، فَلتَكُنْ سفينتُك فيها تقوَى اللّه ِ ...) . «تواضَعْ للحقّ» إمّا بمعنى تَواضَعْ لأهل الحقّ ، وحذف المضاف للدلالة على أنّ التواضع لهم لأجل الحقّ ، لا مطلقا . وهذا وإن أشعر به التعليق على المشتقّ إلاّ أنّ هذا أظهر في المقصود . أو بمعنى : تَواضَعْ لأجل الحقّ ، فكلّ ما كان حقّاً لا تتكبّر عليه ، ولا تنظر إلى ما ينظره الناس من ترك أشياء تكون حقّاً لاُمور دنيويّة يتركونها لأجلها . أو بمعنى : ضَعْ نفسك للحقّ ولا ترفعها عليه ، بمعنى الانقياد له ، ولا شبهة في أنّ مَن تواضَعَ للحقّ يكون أعقل الناس الذين هم دونه في ذلك ، أي أعملهم بعقله ، فإنّ المتعارف ذلك من مثل هذا التركيب، كما إذا قلت: افعل كذا تكن أحسن الناس، ونحوه ؛ فالمراد : أحسن ممّن لم يفعل مثله . وهذا أنسب بالمقام ، ثمّ ما قبله . وإنّ الكيس ـ وهو خلاف الحمق ـ قليلٌ عند الحقّ ، والقليل بالنسبة إلى ما هو أكثر منه وأعظم يسيرٌ ، فلا ينبغي ترك التواضع الذي هو الكيس هنا . وليكن النظر إلى كون الحقّ أعلى من هذا التواضع . ولمّا كانت التقوى بها ينجو الإنسان من الوقوع في لجج الذنوب ومهالك الآخرة ، جَعَلَها كالسفينة . ومناسبة الإيمان للحشو ظاهرةٌ ؛ فإنّ السفينة إذا لم تكن مملوءة بمقدار مافيه صلاحها كانَ ذلك سبباً لغرقها ، وكلّما خفّت وقَلَّ حَشْوها كانت في محلّ الخطر . ومناسبة الشراع للتوكّل من جهة أنّ مدار السير على الريح الموافق الذي يحرّك الشراع لتسير السفينة ، وهذا ممّا ليس في قدرة العبد ، بل ينبغي التوكّل على اللّه في ذلك « وَ مَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ » . [١] (وقَيِّمُها العقلَ) لأنّ القيّم هو الذي يقوم بأمر الشيء ويصلحه ، فكذلك العقل كلّ ما كان ناشئاً عن أمره ففيه الرشاد ، وهو لا يعقل [٢] إلاّ ما فيه المصلحة ، فكان كالقيّم لهذه السفينة . ولمّا كانَ الشيء من الأعمال الصالحة ونحوها إنّما يكون مأخوذًا على وجهه من أهله بالعلم ، كانَ العلم دليلاً مستقلاًّ ، فإنّ العقل وحده لا يكفي في الدلالة ، والعلم لا يكون إلاّ عن العقل ؛ فلهذا كانَ دليل السفينة الذي به يتوصّل إلى الغرض المقصود . وسُكّان السفينة : ذَنَبها ومؤخّرها ، والصبر عاقبته محمودة ، وهو آخر ما قد يستعمله الإنسان بعد ما يتصوّره أو يفعله من إعمال الحيلة فيما يريده ولمناسبة كونه تابعاً دائماً للمقدّم وصبره على ذلك كسكون النفس معه عن الحركة والاضطراب لغيره ؛ واللّه تعالى أعلم .
[١] الطلاق (٦٥) : ٣ .[٢] في «ألف ، ب ، ج » : «لا يفعل» .