الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٤٤
٩.عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفليّ ، عن السك قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : «إذا بَلَغَكم عن رجلٍ حُسْنُ حالٍ ، فَانْظروا في حُسْن عقله ، فإنّما يُجازى بعقله» .
١٠.محمّد بن يحيى ، عن أحمدَ بن محمّد ، عن ابن محبوب ذكرتُ لأبي عبداللّه عليه السلام رجلاً مُبتلىً بالوضوء والصلاة ، وقلتُ : هو رجلٌ عاقلٌ ، فقال أبو عبداللّه عليه السلام : «وأيُّ عقلٍ له وهو يُطيعُ الشيطانَ؟» فقلت له : وكيف يُطيعُ الشيطانَ؟ فقال عليه السلام : «سَلْه : هذا الذي يأتيه من أيّ شيء هو ؟ فإنّه يقولُ لك: من عَمَلِ الشيطانِ» .
قوله عليه السلام في حديث السكوني : (إذا بَلَغَكم عن رجلٍ حُسنُ حالٍ ، فَانْظُروا في حُسنِ عَقْلِه ، فإنّما يُجازى بعقِله) . يقال : فلانٌ عقلُه حَسَنٌ بمعنى أنّ تعقّله لما يطلب منه حَسَنٌ ، وفلان عقلُه غير حسن : إذا لم يكن كذلك . وقوله عليه السلام : «فانظروا في حسن عقله» ولم يقل : «فانظروا في عقله» ونحوه ؛ لفائدة أنّ حُسن الحال من غير حُسن العقل لا يُنظر ولا يُلتفت إليه ، بل الحُسْن هو حُسْن العقل ؛ فينبغي النظر إلى حُسن العقل ، لا إلى مطلق ما يظنّ حَسَناً ، فإنّما يُجازى بعقله ، فإن كانَ حَسَناً كانَ جزاؤه حسناً ، وإلاّ كانَ جزاؤه العقاب . ففي هذا الكلام الشريف من البلاغة ما لا يخفى ، فإنّ ذكر الحسن ثانياً لما ذكر ، وتركه في قوله «فإنّما يُجازى بعقله» لما علم أنّ حسن الحال تابعٌ لحسن العقل ، وهو يدلّ على أنّ [١] عدم حسن الحال مع عدم حسن العقل ؛ فبالعقل يُجازى ، حسناً كان أم غير حسن ؛ واللّه أعلم . قوله عليه السلام في حديث عبداللّه بن سنان : (وأيُّ عقلٍ له وهو يُطيعُ الشيطانَ ...) . المعنى ـ واللّه أعلم ـ أنّ هذا الرجل المبتلى بالوسواس في الوضوء والصلاة كيف يوصف بكونه عاقلاً ، أي عاملاً بعقله بحيث يوصف به على الإطلاق ، فإنّ مَن حاله هذه لا يطيع الشيطان في مثل أعظم العبادة ، ومَن أطاع الشيطان لا يكون مطيعاً للعقل الذي هو الدليل من اللّه سبحانه . والإمام عليه السلام عَلِمَ من خصوص هذا اعترافه بأنّه من الشيطان . وأكثر أهل الوسواس يعترفون بذلك ، وجميعهم إذا أنصفوا اعترفوا به . ولا معنى هنا لسلب أصل العقل عنه مع اعترافه بأنّه من الشيطان وذمّه على ذلك . وهذا الحديث لو لم يوجد غيره ، لكانَ كافياً في ذمّ أهل الوسواس ، فلا ينبغي إدخال مثله فيما أمر به الشارع ونَهى عنه ورضي به من المكلّف ، فتحكيم ظاهر العقل فقط في مثله يؤول إلى متابعة الشيطان .
[١] في «د» : «أنّه» .