الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٤١
٨.عليُّ بن محمّد بن عبداللّه ، عن إبراهيم بن إسحاق قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : فلانٌ من عبادته ودينه وفضله كذا؟ فقال عليه السلام : «كيف عقله؟» قلت : لا أدري ، فقالَ : «إنّ الثوابَ على قَدْر العقل ، إنّ رجلاً من بني إسرائيل كانَ يعبُدُ اللّه في جزيرة من جزائر البحر ، خضراءَ ، نَضِرَةٍ ، كثيرةِ الشجر ، ظاهرةِ الماءِ ، وإنَّ مَلَكا من المَلائكة مَرَّ به ، فقال : يا ربِّ أرِني ثوابَ عبدِك هذا ، فأراه اللّه تعالى ذلك ، فاستقلّه المَلَكُ ، فأوحى اللّه تعالى إليه : أنِ اصْحَبْه ، فأتاهُ المَلَكُ في صورة إنسيّ ، فقال له : مَن أنت؟ قال : أنا رجلٌ عابِدٌ بَلَغني مكانُك وعبادتُك في هذا المكان ، فأتيتُكَ لأعبُدَ اللّه َ مَعَك ، فكانَ معه يومَه ذلك ، فلمّا أصبَحَ ، قالَ له الملك : إنّ مكانَك لنَزِهٌ ،
قوله عليه السلام في حديث محمّد بن سليمان : («كيفَ عقلُه؟» ، قلتُ : لا أدري ، فقال : «إنّ الثوابَ على قَدْرِ العقلِ») . المعنى ـ واللّه أعلم ـ أنّ هذا الذي وصفته بالعبادة والدين والفضل ، إن كانت هذه الأوصاف مأخذها ما دَلَّ [١] عليه العقل ، فأَخَذها وحصلها على وجهها الذي ينبغي ، كانَتْ عبادة هذا ودينه وفضله ممّا يترتّب عليه الثواب الجزيل ، ويترتّب الثواب على كلّ مرتبة بحسبها ، فليس كلّ ما كان بصورة العبادة والدين والفضل ومشابها لها يترتّب عليه ثواب ما شابهه ، كما تقدّم في مشابهة نكراء معاوية للعقل من حيث الظاهر . قوله عليه السلام في هذا الحديث : (إنّ رجلاً من بني إسرائيل كانَ يَعبُدُ اللّه َ في جزيرةٍ من جَزائرِ البحرِ) الحديث . ذكر عليه السلام هذه القصّه مثلاً للذي يقلّ ثوابه وإن كثر عمله إذا لم يكن عمله مقروناً بما ينبغي متابعة العقل فيه ، وهذا العابد كانَ عليه أن يعرف اللّه حقّ معرفته التي تجب عليه بالتعلّم ونحوه ، لتكون عبادته وعمله مع كمال العلم ، ليكون ثوابه على أقلّ من هذه العبادة أكثر منه عليها . وقلّة ثواب هذا العابد باعتبار اتّباع عقله في الجملة ، وإلاّ فالعمل من غير متابعة أصلاً لا يكون له ثوابٌ إلاّ ما استثنى نادرا .
[١] في «د» : «دلّه» .