الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٣٨
٤.محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن فضّال ، عن الحسن بن الجهم ، قال : سمعتُ الرضا عليه السلام يقول : «صديقُ كلّ امرئٍ عقلُه ، وعدوُّه جهلُه» .
قوله عليه السلام في حديث الحسن بن الجهم : (صَديقُ كُلِّ امْرِى ءٍ عَقْلُهُ ، وعَدُوُّهُ جَهْلُهُ) . لا شبهة في أنّ العقل يدلّ صاحبه على ما فيه صلاحه ، فهو ظاهر الصداقة ؛ والجهل بخلافه ، فهو ظاهر العداوة . قال والدي طاب ثراه : لا يخفى أنّ في الخبر احتمالين : أحدهما : أنّ في كلّ إنسان عقلاً وجهلاً ؛ لذكر كلّ في الأمرين . والثاني : أن يكون الناس على قسمين : عاقل وجاهل ، فالعقل صديق لكلّ إنسان ، والجهل عدوّ لكلّ إنسان على أن يؤخذ كلّ واحد من حيث هو ؛ فليتأمّل . انتهى كلامه ، أعلى اللّه مقامه . أقول : الظاهر أنّ المراد من الحديث على الاحتمال الأوّل أنّ كلّ إنسان يكون له عقل وجهل يمكن أن يتّصف بهما ليخرج غير المتّصف بشيء منهما ؛ على أنّ المراد بالعقل الغريزة ، وبالجهل ما قابله ، وكلُّ إنسانٍ ممّن ذُكر هذا حكمُه . فلا يرد ما يمكن أن يقال : إنّه قد يوجد عاقل من غير جهل وعكسُه ، بل قد يوجد الخالي منهما ، فإنّ هذا يترتّب على إرادة الأثر الحاصل من العقل والجهل ؛ وما يمكن أن يقال : إنّ «كلاًّ» وإن كان لاستغراق الأفراد ، إلاّ أنّه لا يلزم من العبارة أن يكون لكلّ فردٍ عقل وجهل ، غايتها أنّها تفيد صداقة العقل المضاف إلى كلّ واحد ، وعداوة الجهل كذلك ، وهو لا يستلزم وجودهما في كلّ فرد ؛ فإنّ قولنا مثلاً : «صديقك كلّ من نصحك ، وعدوّك كلّ من غشّك» لا يلزم منه وجود الناصح والغاشّ ؛ فتأمّل . والاحتمال الثاني الذي ذكره والدي ـ رحمه اللّه ـ لا يخلو من خفاء . بقي احتمال آخر ، وهو أن يكون المعنى : صديق كلّ امرئ ذي عقل عقلُه ، وعدوّ كلّ امرئ ذي جهل جهلُه . والمقدّر يفهم من الإضافة . وهذا الاحتمال ينطبق على كلّ من العقل والجهل وما يترتّب عليهما ، مع إخراج غير المتّصف بهما أو بأحدهما ؛ واللّه أعلم .