الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٣٦
والجواب كالأوّل . واحتمال كون الأمر من جبرئيل لا من اللّه في غاية البُعْد ؛ بل لا وجه له . ثمّ إنّ «الدين» في المقام محتملٌ لأن يُراد به العبادة ، كما صرّح به بعض أهل اللغة [١] ؛ ويحتمل أن يُراد به الورع ؛ للتصريح به أيضاً [٢] . وأمّا «الحياء» فله تفسير في الأخبار ، كما يأتي إن شاء اللّه . انتهى كلامه ، أعلى اللّه مقامه [٣] . أقول : قد يُجاب عن الأوّل أيضاً بأنّ اللّه تعالى أمر جبرئيل عليه السلام بأن يخيّره واحدة ، وظاهر قول جبرئيل : «ودَع اثنتين» أنّه منه عليه السلام تاكيداً وتوضيحاً لما اُمر به ، فإنّ الأمر باختيار واحدة فقط يقتضي ترك اثنتين ؛ ويُمكن اعتباره أمراً من اللّه تعالى ولو من هذه الجهة . وكيف كان فمعناه : اخترها ودَع اختيار اثنتين . والأمر بترك اختيار الاثنتين لاينافي أمر الحياء والدين بكونهما مع العقل حيث كان ، نعم أمر الحياء والدين بكونهما مع العقل ينافي الأمر بالانصراف ، فيكون الأمر به على طريق الاختيار ، كما أفاده والدى رحمه اللّه . وقد وَرَدَ في بعض الأخبار في هذا الكتاب ما يدلّ بظاهره على أنّ المعصوم قد يتكلّم بكلام مترتّب على ظنّ حَصَلَ له ، كقول النبيّ صلى الله عليه و آله لبعض الملائكة ما معناه : ياجبرئيل ، فقال له : لست بجبرئيل ، إنّما أنا فلان . وغير هذا ممّا يظهر منه ترتّب كلام منهم عليهم السلام بمجرّد الظنّ بحيث لا يستلزم الكذب ونحوه ممّا ينافي منصب العصمة. فإن ثَبَتَ مثل هذا للمعصوم وكان غير مناف للعصمة ، أمكنَ أن يقال في هذا الحديث : إنّ جبرئيل عليه السلام أمرهما بالانصراف ظنّاً منه أنّ ذلك لازم للأمر باختيار غيرهما وعدم اختيارهما ، وهو لا يعلم الغيب ؛ بل الأمر هاهنا أظهر من حيث إنّه ظَهَرَ له من عدم انصرافهما مخالفتهما ، فأمرهما بذلك . والأولى ترك الاعتماد على مثل هذا التوجيه ، وكلام النبيّ صلى الله عليه و آله قد يكون له وجه غير ظاهره كالاختبار ونحوه ؛ واللّه تعالى أعلم بمقاصد أوليائه . وتانيث «واحدة» و «ثلاث» باعتبار «الخصلة» ونحوها ، وضمير «دعاه» يرجع إلى العقل ، أو إلى آدم عليه السلام ، والأوّل أقرب . و«شأنكما» أي الزما شأنكما ونحوه .
[١] القاموس المحيط ، ج ٤ ، ص ٢٢٥ (دين) .[٢] لسان العرب ، ج ١٣ ، ص ١٧٠ (دين) .[٣] والده محمّد بن حسن بن زين الدين ، صاحب استقصاء الاعتبار ، وفوائده على الكافي غير مطبوعة .