الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٣٥
وما الثلاثُ؟ فقالَ : العقلُ والحياءُ والدينُ ، فقال آدم عليه السلام : إنّي قَدِ اخْتَرْتُ العقلَ ، فقالَ جَبرئيلُ عليه السلام للحياء والدين : انْصَرِفا ودَعاه ، فقالا : ياجَبرئيلُ : اُمِرْنا أن نَكونَ مع العقلِ حيثُ كانَ ، قالَ : فشَأنَكُما ، وعَرَجَ) . المراد بالعقل هنا ـ واللّه أعلم ـ متابعته والعمل بكلّ ما يدلّ عليه ، بمعنى عَقَلَ ذلك ، كما تقدّم في أوّل كتاب العقل ، لا الغريزة [١] ، فإنّ اختيار آدم عليه السلام العقل بالمعنى المذكور فرع وجوده فيه ، مع بُعد كونه عليه السلام كان قبل هذا خالياً من العقل بالكلّيّة ، نعم يحتمل وجوده في الجملة ، والذي خيّر فيه زيادته وكماله ؛ أو أنّ اللّه تعالى أعطاه ما يميّز به مثل هذا ، سوى العقل . ووجه كون الحياء والدين تابعين للعقل ظاهرٌ ، فإنّهما بلا عقل لا يتحقّقان على الوجه المراد منهما ، بخلاف العقل ، فإنّه بمتابعته يحصل الحياء والدين وغيرهما . قال والدي ، ـ طاب ثراه ـ في بعض فوائده على الكتاب : قد يُسأل أوّلاً عن قول جبرئيل عليه السلام : «ودَعِ اثنتينِ» مع أنّ أمره عليه السلام إنّما هو من قِبَلِ اللّه ، والحال أنّ الحياء والدين قالا «اُمرنا أن نكون مع العقل» وأمرهما من قِبَل اللّه أيضاً ؛ فيحصل التنافي . وإمكان الجواب بأنّ جبرئيل لم يكن أمره إلاّ على سبيل الاختبار ، فلا ينافي أمرهما بعدم الترك ؛ قد يشكل بأنّ الظاهر من الأمر هو فعل المأمور به . ويُجاب بأنّ العدول عن الظاهر لما ذكر لابُدّ منه . وثانياً : أنّ قول جبرئيل عليه السلام للحياء والدين : «انصرفا» ينافي الأمر بعدم الانصراف في قول الحياء والدين .
[١] في حاشية «ألف ، د» : «من المعلوم أنّ سبحانه لم يكلّف إلاّ بعد إعطاء العقل ، ولو اريدت الغريزة لزم وجود الحياء والدين معها حيث وجدت . وهذا بديهي البطلان ، فتدبّر . (الف : منه) ؛ (د : منه دام عزّه) » .[٢] القاموس المحيط ، ج ٤ ، ص ٢٢٥ (دين) .[٣] لسان العرب ، ج ١٣ ، ص ١٧٠ (دين) .[٤] والده محمّد بن حسن بن زين الدين ، صاحب استقصاء الاعتبار ، وفوائده على الكافي غير مطبوعة .