الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٣١
تعالى : «قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْ ءٍ» [١] ؛ «قَالَتَآ أَتَيْنَا طَـآلـءِعِينَ» [٢] ؛ « وَ إِن مِّن شَىْ ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِى» [٣] ومنكر ذلك منكر لكمال قدرته تعالى . والإقبال والإدبار بمعنى الذهاب والإياب لتمام امتثال الأمر ، كما أنّ من أراد اختبار طاعة عبده مثلاً ، فيقول له : اذهب ، ثمّ يقول له : ارجع ، فإنّ [٤] به يظهر الانقياد والطاعة ولزوم الحجّة في مثل أمره تعالى ، وقد يكون ذلك في أمر غيره . ولا بُعد في وصف العقل بالإقبال والإدبار [٥] والذهاب والإياب ، وكذا ما أشبهه من الحواسّ والفكر والنفس ، فإنّ هذه الأشياء تذهب وتجيء وتفارق على وجه يناسب نسبته إليها ، ولا ينحصر ذلك فيما يعهد من إقبال نحو الإنسان بوجهه وحركته نحو الأمر [٦] وإدباره كذلك عنه ، فإنّ لكلّ مقام مقالاً . وفي حديث العقل وجنوده أنّه أوّل خلق من الروحانيين [٧] ، فلا بُعد في أن يجعله اللّه تعالى على حالة يتّصف بها بالإقبال والإدبار بالمعنى المتعارف ، ويكون مأموراً بالإقبال والإدبار إلى جهةٍ أُمِرَ بالإقبال والإدبار إليها وعنها ، فإنّه لا دليل في الحديث على أنّ أمره ، بل ولا خلقه قبل خلق المكان ، وقد أعطى اللّه الملائكة والجنّ قدرة التشكّل بأشكال بني آدم وغيرهم ، فأيّ مانع من كون العقل كذلك ولو في حالة الأمر بالإقبال والإدبار ، ولكن هذا غير محتاج إليه بعد ملاحظة ما تقدّم . وإكماله تعالى العقل إمّا بمعنى أنّه تعالى إذا رأى من عبد طاعةً وانقياداً ، وكان قد أعطاه شيئاً من العقل ، تَفَضَّلَ عليه بحصّة اُخرى ليعمل بها ، كما عمل بما قسم اللّه له أوّلاً ، لتكون مرتبته أعلى وأسنى . وإمّا بمعنى أنّه تعالى يمدّ عبده الذي قد أحبّه بطاعته وانقياده بالهداية والتوفيق لأن يعمل بما أعطاه من العقل ولا يخالفه . وذلك قد يرجع إلى اختيار العبد ذلك ، كما في الحديث القدسي : «وإنّه ليتقرّب إليّ بالنوافل حتّى اُحِبَّه ، فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَه الذي يَسمَعُ به ، وبَصَرَه الذي يَبصر به ، ولسانَه الذي يَنْطِقُ به ، ويَدَه التي يَبْطِشُ بها ، إن دَعاني أجَبْتُه ، وإن سألَني أعطَيْتُهُ» . [٨] وقد يكون ذلك منه تعالى من أوّل الأمر ؛ لعلمه بأنّه يطيع وينقاد ، فالعقل على الأوّل ناقص بالنسبة إلى ما اُضيف إليه ، وعلى الثاني باعتبار عدم العمل بمقتضاه ، فنقصه يرجع إلى نقص صاحبه .
[١] فصّلت (٤١) : ٢١ : « وَ قَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْ ءٍ » .[٢] فصّلت : (٤١) : ١١ : « فَقَالَ لَهَا وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَـآلـءِعِينَ » .[٣] الإسراء (١٧) : ٤٤ : « تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَـاوَتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَن فِيهِنَّ وَ إِن مِّن شَىْ ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِى » .[٤] في «ألف ، ب» : فإنّه» .[٥] في «د» : «بالإدبار والإقبال» .[٦] في «ألف» : «الآمر» .[٧] الكافي ، ج ١ ، ص ٢٠ ، كتاب العقل و الجهل ، ح ١٤ .[٨] المؤمن ، ص ٤٣ ، باب ما خصّ اللّه به المؤمن من الكرامات والثواب ، ح ٦٢ ؛ المحاسن ، ج ١ ، ص ٢٩١ ؛ باب المحجوبات من كتاب مصابيح الظلم ، ح ٤٤٣ ؛ الكافي ج ٢ ، ص ٣٥٢ ، باب من أذى المسلمين واحتقرهم ، ح ٧ و٨ ؛ إرشاد القلوب ، ج ١ ، ص ٩١ ، الباب الثاني والعشرون في فضل صلاة الليل ؛ جامع الأخبار ، ص ٨١ ، الفصل الثامن والثلاثون في صوم رمضان وغيره ؛ عوالي اللئالي ، ج ٤ ، ص ١٠٣ ، ح ١٥٢ ؛ وسايل الشيعة ، ج ٤ ، ص ٧٢ ، ح ٤٥٤٤ ؛ وفي بحارالأنوار ، ج ٦٧ ، ص ٢٢ ، باب حبّ اللّه ، ح ٢١ ، عن المحاسن ؛ و ج ٧٢ ، ص ١٥٥ ، باب من أخاف مؤمنا... ، ح ٢٥ عن الكافي .