الدرّ المنظوم من كلام المعصوم - العاملي، علي بن محمد - الصفحة ١٠٠
.فاعلم يا أخي ـ رحمك اللّه ـ أنّ اللّه ـ تبارك وتعالى ـ خلَق عبادَه خِلْقةً منفصلةً من البهائم في الفِطَنِ والعقولِ المركّبةِ فيهم ، محتملةً للأمر والنهي ، وجعَلهم جلّ ذكرُه صنفين : صنفا منهم أهلَ الصحّة والسلامة،وصنفا منهم أهلَ الضرر والزمانة.فَخَصَّ أهلَ الصحّة والسلامة بالأمر والنهي ، بعد ما أكْمَلَ لهم آلةَ التكليف ، ووَضَعَ التكليفَ عن أهل الزمانة والضرر ؛ إذ قد خلَقهم خِلْقَةً غيرَ محتملةٍ للأدبِ والتعليمِ ، وجعَل عزّ وجلّ سَبَبَ بقائهم أهلَ الصحّة والسلامة ، وجعَل بقاءَ أهلِ الصحّة والسلامة بالأدب والتعليم . فلو كانت الجَهالة جائزةً لأهل الصحّة والسلامة لجازَ وَضْعُ التكليفِ عنهم ، وفي جواز ذلك بطلانُ الكتب والرسلص ٦ والآداب ، وفي رفع الكتبِ والرُّسُلِ والآدابِ فسادُ التدبير ، والرجوعُ إلى قولِ أهل الدهر ؛
قوله : (مُحْتَمِلَةً للأمرِ والنهي) . أراد هنا أنّ خلقة الإنسان محتملة للأمر والنهي بالنسبة إلى خلقة البهائم ؛ فهو في معنى إرادة الطبيعة من حيث هي ، أو بإرادة المجموع من حيث المجموع ، لا الحكم على الأفراد ؛ لأن لاينافي قوله بعد : (ووَضَعَ التكليفَ عن أهلِ الزَّمانَةِ والضررِ ؛ إذْ قد خَلَقَهُم خِلْقَةً غيرَ مُحتَمِلَةٍ للأدبِ والتعليمِ) . قوله : (وجَعَلَ عزّ وجلّ سببَ بقائهم أهلَ الصحّةِ والسلامةِ ، وجَعَلَ بقاءَ أهلِ الصحّةِ والسلامةِ بالأدَبِ والتعليمِ ، فلو كانَتِ الجَهالَةُ جائزةً لأهلِ الصحّةِ والسلامةِ ، لجازَ وَضْعُ التكليفِ عنهم ، وفي جوازِ ذلك بُطلانُ الكُتُبِ والرُّسُلِ والآدابِ ، وفي رَفْعِ الكُتُبِ والرُّسُلِ والآداب فَسادُ التدبيرِ ، والرجوعُ إلى قولِ أهلِ الدَّهْرِ) . حاصل الكلام في هذا المقام : أنّ اللّه سبحانه وتعالى اقتضت حكمته خَلْق الإنسان للتكليف الذي أراده وما يتبعه ، قال تعالى : « وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الاْءِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ » [١] . وقد ثبت أنّ فعله تعالى منزّه عن العبث بقوله : « أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـاكُمْ
[١] الذاريات (٥١) : ٥٦ .