خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٥١ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
و مع هذا، يبقى صفيّ الدين الحلّيّ أوّل من نهض بفنّ البديعيّات، و حمل لواءه و حاز به قصب السّبق، و تبقى قصيدته هي البديعية الأولى التي أطلقت عقال عشرات الشعراء فيما بعد لكي ينظموا في هذا الفنّ الجديد.
و بعد هذا كلّه، أصبح يسيرا تقدير الزمن الذي نشأت فيه البديعية الأولى من خلال حياة ناظمها الأوّل، إذ كانت ولادته سنة ٦٧٧ هـ. ، و وفاته سنة ٧٥٠ هـ. و يشير علي أبو زيد إلى ذلك بقوله: «و بما أنّه أشار إلى أنه نظم بديعيته بعد خوضه بحار العلم و المعرفة، و قراءة الجمّ الغفير من الكتب، و بما أنّ نظم البديعية يحتاج إلى مهارة في نظم الشعر و خبرة فائقة به، و ذلك كلّه لا يتأتّى للمرء إلاّ على مرور الأيام، و الحياة الطويلة، فإنني أقدّر أن تكون أوّل بديعية ظهرت في النصف الأوّل للقرن الثامن الهجري، و في عقده الخامس» [١] .
و بظهور بديعية الحلّيّ، انطلق ركب البديعيات يمخر عباب التراث الأدبيّ في العالم العربي، و يسجّل على صفحاته معالمه و آثاره التي استمرّت إلى عهد قريب (مطلع القرن العشرين) على امتداد نحو سبعة قرون من عمر هذا التراث، و في مختلف أصقاع الدولة العربية الإسلامية، حتى أضحى بين أيدينا ما يربو على مائة بديعية، كلها تمدح الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) ، و تنظم في ثناياها فنون البديع، توارث فنّها الشعراء جيلا بعد جيل، فرغب فيها شعراء النصارى، و نظموا بديعيات في مدح السيد المسيح، عليه الصلاة و السلام، على غرار بديعيات المسلمين، كما انتقلت إلى لغات العالم الإسلاميّ، فنظم شعراء الأتراك بديعيات باللغة التركية، و نظم شعراء فارس أخرى باللغة الفارسيّة، و نظم أهل السند و الهند بديعيات باللغة الأورديّة [٢] .
و لكن يبقى هناك سؤال يتبادر إلى الذهن، و هو: ما الهدف الأوّل من البديعيات، و كيف تطوّر ليصبح فنّا قائما بذاته؟!
من خلال الاطلاع على بدايات هذا الفنّ، يتبيّن لنا أن الهدف الرئيس من نشوء هذا الفنّ هو المدح، بل هو مديح رسول اللّه محمّد (صلى اللّه عليه و سلم) .
و يؤكد هذا ما جاء في مقدّمة شرح البديعية الأولى لصاحبها صفيّ الدين الحليّ إذ
[١] البديعيات في الأدب العربي ص ٧٠.
[٢] انظر البلاغة العربية في ثوبها الجديد (البديع) ص ٢٢؛ و معجم المصطلحات البلاغية و تطورها ص ٢٢٤.