خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٧٩ - ٢-الحركة النقديّة في شروح البديعيّات
الحلّيّ و الموصليّ. و من ينظر في شرح ابن حجّة منذ المطلع يجد ابن حجة لم يترك هنة من هنوات الصفيّ و الموصليّ إلاّ شهّر به و أعلنه و تجاوزه إلى ما هو أحسن، مزهوّا بمقدرته و إجادته و تفوّقه في كلّ كلمة من كلمات بديعيّته، و حتّى في شعره و نثره الذي لا يمتّ إلى «البديعيّات» بصلة. و إنك لتجد ذلك في كل باب من أبواب شرح بديعيته.
هذا المنهج الذي اعتمده ابن حجّة في تتبّعه من سبقه مع الزهو الذي تميّز به لم يرق لكثير من المؤلّفين و النقّاد، فوقفوا له بالمرصاد، و سلّوا سيوف النقد عليه و على إنتاجه، يغربلونه و ينخلونه باحثين فيه عن كل هنة، و من هؤلاء الشيخ عبد الغني النابلسيّ، و هو من أكثر الناس اعتراضا و أشدّهم غضبا على ابن حجّة، إذ لم يقدر أن يخفي ازدراءه و انتقاده في «نفحاته» لابن حجّة، إذ قال: «ثمّ شرح قصيدته شرحا أخذ فيه بأذيال الإطالة، و ألبسه حلل السآمة و الملالة، ... و تشدّق في عباراته، و أفحش في إشاراته، مع ما في أبيات قصيدته من الركّة و القلاقة، و اختلاس كلمات غيره بحسب ما عنده من الفاقة» [١] . و بدأ النابلسيّ بعد ذلك يتتبّع ابن حجّة لا في بديعيته و حسب، بل في انتقادات ابن حجّة لغيره و لسابقيه من ناظمي «البديعيات» ، ينقّب عن سرقاته، و يتقصّى هنواته و عثراته و مجانبته للصّواب، فوجد عدم تعرّض ابن حجّة لمطلع الموصليّ، يعود إلى أنّه قد سرقه منه، و هذا ما دفعه منذ البداية إلى أن ينال منه، فقال: «و قد دخل هذا البيت فكر ابن حجة... فسرق من مصراع الباب... » [٢] . و لم يكتف النابلسيّ بتتبّع ابن حجة، بل تعدّاه إلى كلّ من ذكر له بديعية في شرحه، فتتبّع بديعياتهم و علّق عليها و انتقدها، مظهرا محاسنها أحيانا و مساوئها أحيانا أخرى.
و لم يكن ابن معصوم المدنيّ بأقلّ من عبد الغني النابلسيّ تطلّعا إلى التقدم و السبق و التفوّق، فإذا كانت بديعية ابن حجة عند الأغلبية من أجود «البديعيات» فإن ابن معصوم نظم بديعيّته «التي فاقت بديعيّة ابن حجّة فلو أدركها لما قامت له معها على تزكية نفسه حجة» [٣] ، ففي أثناء نظمه و شرحه لبديعيته تظهر فكرة المقارنة بين
[١] نفحات الأزهار ص ٣.
[٢] نفحات الأزهار ص ١٢.
[٣] أنوار الربيع في أنواع البديع ١/٢٨.