خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٠٧ - ١-علم البديع و قيمته
و قد ذكر الجاحظ أنّ مصطلح «البديع» أطلقه الرواة على المستطرف الجديد من الفنون الشعريّة و على بعض الصور البيانيّة التي يأتي بها الشعراء في أشعارهم فتزيدها حسنا و جمالا، إذ قال معلّقا على بيت الأشهب بن رميلة (من الطويل) :
هم ساعد الدهر الذي يتّقى به # و ما خير كفّ لا تنوء بساعد [١]
«قوله: «هم ساعد الدهر» إنما هو مثل، و هذا الذي تسمّيه الرواة «البديع» » [٢] ؛ و من هنا كانت بداية المعنى الاصطلاحيّ لـ «البديع» .
أمّا البديع، في الاصطلاح، فهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام المطابق لمقتضى الحال المعلومة كيفيّة طرقه في الدلالة وضوحا و خفاء [٣] . و قال ابن خلدون: «هو النظر في تزيين الكلام و تحسينه بنوع من التنميق، إمّا بسجع يفصله، أو تجنيس يشابه بين ألفاظه، أو ترصيع يقطع أوزانه، أو تورية عن المعنى المقصود بإيهام معنى أخفى منه، لاشتراك اللفظ بينهما، أو طباق بالتقابل بين الأضداد، و أمثال ذلك» [٤] .
و يتّضح من هذا المعنى أن «العلم بوجوه تحسين الكلام» لا يسمّى بديعا إلاّ بشرطين: أن يكون ذلك الكلام مطابقا لمقتضى الحال، و أن تكون كيفيّات طرق دلالته معلومة الوضوح و الخفاء، فالشرط الأوّل هم علم المعاني، و الشرط الثاني هو علم البيان، فلو عدم أحد هذين الشرطين من الكلام لم يكن العلم بوجوه تحسين ذلك الكلام بديعا، و لكان البديع كتعليق الدرّ على أعناق الخنازير [٥] . و بهذا يعني أنّ نسبة علم البديع إلى علمي المعاني و البيان كنسبة المركّب إلى مفرداته، و ليس كنسبة التابع إلى المتبوع، و العرض إلى الجوهر، فكما أنّ المركب لا يستقيم وجوده إلاّ بوجود مفرداته كذلك البديع لا يستقيم إلاّ بوجود المعاني و البيان، ثمّ إنّ أهمّ هذه الفنون الثلاثة هو علم المعاني و أخصّها علم البديع، لأنّه متركّب من الفنّين الآخرين و زيادة؛ و علم البيان متوسّط بينهما، فهو مشتمل على المعاني مندرج تحت البديع،
[١] البيان و التبيين ٤/٥٥.
[٢] البيان و التبيين ٤/٥٥.
[٣] نظم الدر و العقيان ص ٥١؛ و الإيضاح ص ٢٨٧.
غ
[٤] مقدمة ابن خلدون ص ٣٤٢.
[٥] نظم الدر و العقيان ص ٥٢؛ و كشف الظنون ١/٢٣٢.