خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٨٠ - ٢-الحركة النقديّة في شرح «تقديم أبي بكر»
عجب في عمله هذا إذا ما عرفنا عنه أنّه تميّز بكثير من الزهو و الإعجاب بالنفس و الحدّة في الموقف، و لهذا كانت هناك مجموعة من الكتب التي ألّفت في الردّ عليه و الانتقاص منه و من عمله، و في الدفاع عنه و التأييد له. فهو يصرّح منذ بداية شرحه أنه إنما نظم بديعيته و أمامه بديعيّتا الصفيّ و الموصليّ بالإضافة إلى بديعية ابن جابر، و هو ينظر إليها نظرة الناقد المتفحّص، الباحث عن خبايا جمالها و مواطن ضعفها، ليستطيع بذلك أن يتدارك نقصا سبق، و أن يبزّ غيره بجمال و فضل إجادة، فينطلق ليسابق هؤلاء مخلّفا وراءه كلّ من سبقوه إلى هذا الفنّ، و قد أعانه على ذلك صديقه الأديب المعروف محمد بن البارزيّ الذي كان وراء نظم هذه البديعية و شرحها. و من هنا جاء تتبّعه للشعراء الثلاثة في بديعيّاتهم و مقارنة عمله بأعمالهم مستعينا بمشورة صديقه، إذ قال: «فاستخار اللّه مولانا الناصري... و رسم لي بنظم قصيدة أطرّز حلّتها ببديع هذا الالتزام، و أجاري الحلّيّ برقّة السحر الحلال، الذي ينفث في عقد الأقلام، فصرت أشيّد البيت فيرسم لي بهدمه... و يقول: بيت الصفيّ أصفى موردا، و أنور اقتباسا، فأسنّ كلّ ما حدّه الفكر، و أراجعه ببيت له على المناظرة طاقة، فيحكم لي بالسبق و ينقلني إلى غيره، و قد صار لي فكرة إلى الغايات سبّاقة، فجاءت بديعيّة هدمت بها ما نحته الموصليّ في بيوته من الجبال، و جاريت الصفيّ مقيّدا بتسمية النوع، و هو من ذلك محلول العقال» [١] .
و ما يلاحظ من هذا القول أنّ هناك عملين اثنين كانا يرافقان نظم كل بيت من أبيات البديعية: أوّلهما: تتّبع ابن حجّة لمن سبقه و إعمال نفسه في التفوّق عليه، و ثانيهما: الموقف النقديّ المتمثّل في عمل ابن حجّة أولا، و في حكم المعروض عليه (ابن البارزيّ) ثانيا، إذ كثيرا ما كان يشير عليه بالقبول أو الإعادة بعد مقارنته بأبيات الحلّيّ و الموصليّ.
و مطلع «شرح البديعية» يبيّن لنا أنّ ابن حجّة لم يترك هنة من هنوات الصفيّ أو الموصليّ إلاّ شهّر بها و أعلنها متجاوزا إلى أحسن، مزهوّا بمقدرته و تفوّقه و إجادته في كلّ كلمة من كلمات بديعيته، و حتّى من شعره و نثره الذي لا يمت إلى البديع و البديعيات بصلة، و هذا تراه مبثوثا في كل أبواب الشرح المذكور.
[١] خزانة الأدب و غاية الأرب ١/٣٠٥.