خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٠٦ - ١-علم البديع و قيمته
المجموعات الشعرية التي نالت حظّا وافرا من جهود الدارسين حتى بلغت الذّرى و قاربت الكمال عمقا و عددا، مثل «المعلّقات» ، و «المفضّليّات» ، و «الروميات» ، و «اللزوميات» و غيرها؛ بل إنّ البعض قد وقف منها و من أصحابها موقفا سلبيّا فقال:
«منذ القرن السابع الهجريّ، و قد رمي الشعر العربيّ بجماعة مهمّتها جمع ألوان البديع، و سلكوا في جمعها مسالك التكلّف، و وجهوا همّتهم إلى رصّ ألوانه ضاربين صفحا عمّا ينبغي أن يراعى في الشعر من مقتضيات أهمها إبراز المعنى و تجلية الغرض، و جاءوا بشعر مؤلف من تفعيلات و موازين لا يروق لفظها و لا يفهم معناها، و سمّوا تلك القصائد بالبديعيات» [١] .
فهذه «البديعيات» ، على الرغم ممّا حملته من أثر في البلاغة و الأدب و النقد و اللغة، لم يعكف على دراستها دراسة جادّة رصينة إلاّ نفر قليل جدّا من الباحثين، فأعطوها ما تستحقّ من عناية و اهتمام [٢] .
١-علم البديع و قيمته:
يطلق لفظ «البديع» ، في اللغة، على الغريب العجيب، أو الجديد المخترع الذي ينشأ على غير مثال سابق، يقال: بدع الشيء يبدعه بدعا إذا أنشأه و بدأه، و ابتدع الشيء إذا اخترعه من غير مثال. و «البديع» يطلق لمعان عدّة فيقال: هذا بديع أي محدث عجيب فيكون من صفة المفعول، و يكون أيضا من صفة الفاعل بمعنى «المبدع» ، و منه «البديع» في أسماء اللّه الحسنى لإبداعه الأشياء و إحداثه إيّاها من غير مثال [٣] ، فجاء في قوله تعالى: بَدِيعُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ إِذََا قَضىََ أَمْراً فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١٧) [٤] . و جاء في الحديث الشريف بمعنى الزقّ الجديد و الحلو و الطيّب لقوله، (صلى اللّه عليه و سلم) : «إنّ تهامة كبديع العسل حلو أوّله حلو آخره» [٥] ، و ذلك لطيب هوائها الذي لا يتغيّر كما أنّ العسل لا يتغيّر.
[١] البديع في ضوء أساليب القرآن ص ٢٠٢.
[٢] من هؤلاء الأستاذ علي أبو زيد، و قد أعدّ دراسة بعنوان: «البديعيات في الأدب العربي» ، و قد نال بها شهادة الماجستير من كلية الآداب في جامعة دمشق.
غ
[٣] لسان العرب ٨/٦-٧ (بدع) ؛ و نظم الدرّ و العقيان ص ٥١؛ و العمدة ١/٤٢٠.
[٤] البقرة: ١١٧.
[٥] لسان العرب ٨/٧ (بدع) ؛ و النهاية في غريب الحديث و الأثر ١/١٠٦-١٠٧.
غ