خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٤٢ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
و-أثر المجتمع و اجتماعه مع الأسباب السابقة:
ما إن انتشر فنّ البديعيات بين الناس حتى تقبّلوه و استبشروا به خيرا و احتفوا بأهله، و قد سبق أن أشرت إلى طلب أولي الأمر له و الحضّ على نظمه، و هذا ممّا حدا بالشعراء إلى الإقبال عليه و الإدلاء بدلوهم في منهله، علّهم يحظون بآذان الشعب و قلوبهم، و لا سيّما في وقت كان الشعراء فيه يعيشون عيشة الغرباء بين حكّام في غالبهم من غير العرب لا يجيدون فهم هذه اللغة و أساليبها، لبعد أذواقهم عن فهم البلاغة العربية، فكانت مرحلة تقرّب الأديب أو الشاعر من طبقات المجتمع الأخرى، ممّن يسمع و يفهم و يطرب لكلّ تعبير من تعابير العربية الفصيحة، و ذلك ليستطيع الوصول إلى ذروة الشهرة بينهم، فيضمن لنتاجه الأدبيّ الرواج و الفلاح، و كانت «البديعيات» عند معظم أصحاب البديعيات وسيلة اتّخذوها ليحققوا غاياتهم، و مجالا واسعا ينطلقون منه إلى حيّز الظهور و الشهرة [١] .
و السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: متى نشأت «البديعيات» ، و على يد من من الشعراء ولدت البديعية الأولى التي أطلقت عقال عشرات الشعراء فيما بعد لكي ينظموا في هذا الفنّ الجديد؟!!
لقد اختلف العلماء و مؤرّخو البلاغة و دارسو الأدب في تحديد أوّل بديعيّة، و بالتالي اختلفوا في تحديد أوّل بديعيّ سنّ للشعراء هذه السنّة الأدبيّة، ذلك لأن معرفة البدايات قد تكون من أعضل المشكلات، و لا سيّما في فنّ «البديعيّات» الذي تشعّبت بداياته، فتسعّبت الطرق إليها [٢] .
و من خلال استقراء آراء هؤلاء العلماء و الدارسين المتباينة يبدو أنّ مكان الأوّليّة يتنازعه أربعة من الشعراء، و هم: يحيى بن عبد المعطي الزواوي المتوفّى سنة
[١] انظر «البديعيات في الأدب العربي» ص ٣١-٣٩.
[٢] أضف إلى ذلك أن موضوع البديعيات لم يحظ بدراسة كاملة لمعظم جوانبه و لا سيما «بداياته» ، إلاّ على يد نفر قليل توقّفوا عنده قليلا في سياق أبحاثهم العامة، باستثناء باحث واحد-كما أعتقد-هو علي أبو زيد الذي قام بدراسة مفصلة لهذا الفن تقدم بها لنيل شهادة الماجستير من كلية الآداب في جامعة دمشق، تحت عنوان: «البديعيات في الأدب العربي» .