خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١١٩ - ٦-علم البديع و البلاغة
«البديع» [١] . ثم قال: «و البديع مقصور على العرب، و من أجله فاقت لغتهم كل لغة، و أربت على كلّ لسان، و الراعي كثير البديع في شعره، و بشّار حسن البديع، و العتّابيّ يذهب في شعره في البديع مذهب بشّار» [٢] .
و هذا يعني أن الجاحظ كان قد أطلق لفظ «البديع» على طريف الاستعارة في «ساعد الدهر» ، و يروي ذلك عن الرواة، أي رواة الشعر، فالتسمية ليست له، بل هي لرواة الأدب، و ظهرت أوّل ما ظهرت على لسان الشعراء. و يؤكد هذا ابن المعتز في كتابه «البديع» ، إذ ذكر أن هذه التسمية من وضع الرواة و الشعراء المولّدين، فقال في مقدّمة كتابه «البديع» : «قد قدّمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن و اللغة و أحاديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ، و كلام الصحابة و الأعراب و غيرهم و أشعار المتقدّمين من الكلام الذي سمّاه المحدثون «البديع» ليعلم أنّ بشّارا و مسلما و أبا نواس و من تقيّلهم و سلك سبيلهم، لم يسبقوا إلى هذا الفنّ و لكنّه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمّي بهذا الاسم فأعرب عنه و دلّ عليه» [٣] .
و قد أطلق ابن المعتز هذا المصطلح «البديع» على الاستعارة، و التجنيس، و المطابقة، و ردّ العجز على الصدر، و المذهب الكلاميّ؛ و كان أوّل من جمعها تحت اسم «البديع» في كتابه المذكور، و لعلّ محاولته هذه هي أول محاولة علميّة جادّة في ميدان «علم البديع» .
و من هنا نرى أن الجاحظ و ابن المعتز قد التقيا في إطلاق مصطلح «البديع» على فنون البلاغة المختلفة بأنواعها. ثم خطا خطوتهما قدامة بن جعفر الذي يرى أن ألوان البديع هي البلاغة، و في ذروة الحسن منها [٤] ؛ و أبو هلال العسكري [٥] ، و إن كان هذا الأخير قد أخذ عنده مدلول «البديع» في التخصّص، و الابتعاد قليلا عن علوم البلاغة الأخرى؛ إلاّ أنّ مصطلح «البديع» ظلّ يتّسع في القرون الستّة الأولى للهجرة لكلّ أنواع علوم البلاغة بحسب وضعها الأخير: «المعاني و البيان و البديع» عند علماء البلاغة كابن سنان الخفاجي و عبد القاهر الجرجاني و غيرهما، إلى أن جاء السكاكي
[١] البيان و التبيين ٤/٥٥.
[٢] البيان و التبيين ٤/٥٥-٥٦.
[٣] كتاب البديع ص ١.
[٤] نقد الشعر ص ٣٨.
[٥] كتاب الصناعتين ص ٢٦٧.
غ