خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٤٧ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
المتوفّى سنة ٧٥٠ هـ. ، فقد نظم بديعيته على بحر البسيط، و على رويّ الميم المكسورة، و في مدح النبيّ، (صلى اللّه عليه و سلم) ، جاعلا كلّ بيت منها مثالا لنوع من البديع أو أكثر، و في هذا الطور يظهر أثر بردة البوصيريّ في الوزن و الرويّ و الغرض. و أمّا الطور الثالث: فقد كان على يد عزّ الدين الموصليّ المتوفّى سنة ٧٨٩ هـ. ؛ فقد حاكى الصفيّ فيما صنع و أربى عليه بالتزام التورية باسم النوع البديعي، فذهب بهذا الفنّ إلى أبعد غايات التكلّف و الثقل، حتّى لم يستطع مجاراته إلاّ القليل من أصحاب البديعيات» [١] .
و يرى محمود رزق سليم في كتابه «عصر سلاطين المماليك» أنّ أوّل من نظم الشعر بهذا القيد هو أمين الدين السليمانيّ، غير أنّ الناظر في بديعيّته التي تقع في ستّة و ثلاثين بيتا في الغزل و المدح، يحكم أن هذا الفنّ الشعريّ الوليد كان في بدئه لا يزال يحبو، أو كان ذرّة تتلمّس لنفسها وجودا و لمّا يتفجّر ما في باطنها من حياة [٢] .
و قد أشار شوقي ضيف في معرض حديثه عن نشأة البديعيات إلى بداية هذا الفنّ على يد أمين الدين السليماني الإربليّ، بقوله: «و لا نكاد نمضي بعد ابن أبي الأصبع حتى نجد علي بن عثمان الإربليّ... ينظم قصيدة في مديح بعض معاصريه، مضمّنا كلّ بيت منها محسّنا من محسّنات البديع، و بإزاء كلّ بيت المحسّن الذي يشير إليه... على كل حال تعدّ هذه القصيدة أوّل قصيدة عني ناظمها بأن يودع كل بيت من أبياتها محسّنا بديعيّا» [٣] .
و قد أشار محمود الربداوي إلى أسبقية الإربلي، بعد أن حكم بأسبقية الصفيّ على ابن جابر، بقوله: «و من كل هذا نستطيع أن نحكم بأسبقية الحليّ على ابن جابر في نظم البديعية، و لكن لا نستطيع أن نقول إنّه أوّل من ابتكر فنّ البديعيّات... ذلك لأننا نعلم أن شاعرا اسمه الشيخ علي بن عثمان بن علي بن سليمان أمين الدين السليمانيّ الإربليّ الصوفيّ قد نظم قصيدة لاميّة ضمّنها جملة من أنواع البديع، نوعا في كل بيت» [٤] .
[١] الصبغ البديعي ص ٣٧٨-٣٧٩.
[٢] عصر سلاطين المماليك ٦/١٥٨.
[٣] البلاغة تطور و تاريخ ص ٣٦٠.
[٤] «ابن حجة الحموي شاعرا و ناقدا» ص ١٩٠.