خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١١١ - ٣-البديع و جمال اللفظ و المعنى
و الأدب كلّه، إذ لا يمكن لألفاظ ميتة أن تحيي معنى أو فكرة. ثم إنّ كثرة البديع كانت هي المجال الأكبر لمدرسة التجديد، أو مدرسة البديع، فنشأت الخصومات، و كان النقّاد ما بين مفتون به و ساخط عليه. قال القاضي الجرجاني: «إنّ جلّ الأدباء و النقّاد رأوا في الافتنان في الحلية اللفظية المجال الأكبر للتجديد، إيمانا منهم بأنّ الأولين استغرقوا المعاني أو أتوا على معظمها، و لم يتركوا إلاّ ما استهين به أو صعب الوصول إليه، فلم يبق أمام المحدثين شيء يولعون به إلاّ البديع و الحلية اللفظية، فكان الإبداع و الإغراب منحصرا في هذا الميدان، و تبعهم النقاد ما بين مفتون به و ساخط عليه» [١] .
و إذا كان البديع عند النقاد القدامى قد ظفر بحفاوة بالغة فاعتبر دليلا على كمال البراعة و إتقان الصناعة حتى عدّة قوم من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، فقد اختلفت الرؤية عند النقاد و الدراسين المعاصرين، لأن الشعر لم يعد يكتب لينشد على الخلفاء في القصور أو الجماهير في الأسواق، و إنما يكتب ليقرأ، فنأخذ منه حصيلة فكريّة أو صورة اجتماعية، أو شحنة انفعالية ممّا لا يحتاج إلى تزويق أو تجميل، فقد غدا البديع صورة ترى، لا نغما يسمع، لذلك نظر النقّاد المعاصرون إلى البديع نظرة استخفاف و ازدراء بخلاف نظرتهم إلى علمي المعاني و البيان، و غدا البديع برأيهم محسنات لفظية عقيمة، حوّلت مجرى الأدب العربيّ كله إلى زخارف لفظيّة خاوية من كل معنى عميق، أو إحساس صادق [٢] .
٣-البديع و جمال اللفظ و المعنى:
إن اللغة العربية بقسميها الشعر و النثر، عند ما تصاغ بأسلوب أدبيّ، تتميز بالجمال و الكمال، و تمثّل قمّة الإبداع، لما تملكه من غنى عظيم في مفرداتها، و إتقان محكم في تراكيبها، و زخرف أخّاذ في أساليبها و أشكالها، و جمال موسيقيّ في لفظها و جرسها. و ما يؤكد جمالها و يشهد بموسيقيّتها ذاك السجع في نثرها، و تيك القافية في شعرها، و تلك الفواصل في قرآنها... كلّ ذلك ينبئ عن التماثل بين كلماتها و المشاكلة بين ألفاظها و الانسجام بين عباراتها. و لعلّ أبرز ما يميّز جمال اللغة العربية و موسيقيّتها ما فيها من ألوان بديعية معنوية و لفظيّة، تظهر من خلال
[١] الوساطة ص ٢٠٨.
[٢] انظر فن البديع ص ٢٨-٢٩.