خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٣٤ - الفصل الثاني البديعيّات نشأتها و تطوّرها
الفصل الثاني: البديعيّات: نشأتها و تطوّرها
شهد القرن السابع الهجري لونا جديدا من التأليف في البلاغة عامة و البديع خاصّة على يد يحيى بن عبد المعطي الزواويّ المتوفي سنة (٦٢٨ هـ. ) ، و من ثمّ على يد عليّ بن عثمان الإربليّ (المتوفّى سنة ٦٧٠ هـ. ) [١] ، معاصر ابن أبي الأصبع المصريّ، إذ نظم قصيدة مدح في شخص مجهول، من ستّة و ثلاثين بيتا، في كلّ بيت منها نوع من أنواع البديع التي كانت شائعة في عصره، و قد وضع بإزاء كلّ بيت اسم المحسّن البديعيّ الذي تضمّنه، دون أن يسمّي قصيدته «بديعيّة» [٢] .
و تعتبر هذه القصيدة المحاولة الأولى في الاتجاه الذي أخذ بعد ذلك يشيع بين الشعراء بدخولهم في ميدان البديع ينظمون فنونه في قصائد مدح عرفت فيما بعد باسم «البديعيّات» .
و قبل الكلام على هذه «البديعيات» لا بدّ من إظهار العلاقة بينها و بين المدائح النبويّة.
لقد كثرت المدائح في شخصيّة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) منذ أن بعث هاديا و مبشّرا و نذيرا، و برزت على يد المتصوّفين من الشعراء خاصة، إذ إنّها لون من التعبير عن العواطف الدينية، و باب رفيع من الأدب، لا يصدر إلاّ عن قلوب مفعمة بالإيمان، ملأى بالإعجاب بشخصه الكريم. و قد نشأت هذه المدائح النبوية منذ أواخر العصر الجاهليّ، بدليل أنّ الأعشى مدح الرسول الكريم في السنة الثامنة للهجرة في قصيدة له مطلعها (من الطويل) :
أ لم تغتمض عيناك ليلة أرمدا # و عادك ما عاد السّليم المسهّدا [٣]
و كذلك فعل كلّ من حسّان بن ثابت و كعب بن زهير، و شعراء كثيرون في صدر الإسلام و العصرين الأمويّ و العباسيّ... إلى أن نشأ في العصر المملوكيّ حول
[١] سيأتي الكلام عليهما في هذا الفصل.
[٢] سيأتي تعريف «البديعيات» في الفصل التالي، بعد الكلام، في هذا الفصل، على «نشأتها و تطورها» ؛ إذ لم أجد لها تعريفا إلاّ بعد ذكر خصائصها منذ نشأتها.
[٣] ديوانه ص ١٠٠.